تداخلات الأقاويل..

الإسقاط:

الى من يبحثون عن المعنى في كل شيء.

*****

 

 

البداية كنهاية:-

 

انا أهرب!

أهرب من القدر، من الناس، من هذا العالم الذي تسوده الانفس الضعيفة؛ أنا لا اتوقف عن ممارسة هذا الهروب كل يوم منذ اللحظة التي اخذت فيها عهدا على نفسي بنقل الحقيقة الكاملة بلا تزييف.

وانني بهذا الهروب الذي يجبرني على التوقف لكي استعيد قواي الخاملة واتنفس فتقول نفسي قبل ان اعاود الركض لابعاد تلك الافكار “لما كل شيء يكرر نفسه!” فأجيب بسرعة قبل ان يستقر السؤال في عالمي الداخلي “لانه العالم  يشكل دائرة” ازفر بعد الاجابة وكانني ابعد كل الافكار التي تحلق في الخارج ثم اعاود الركض والصراخ والالم. وهذا الاخير اعتقد بانه تشكل بشكل بطئ فهو يسقط تبعا لقاعدة قديمة “حدة الظلام لاتأتي دفعة واحدة ولكنها تسقط فجاءة لتسبب الهذيان!” وهذا مايفعله الالم.

انا المجنون انا من اخبره العالم في يومه الاول بانه نتيجة الخطأ! ونتيجة لعذابات الاخرين لكي يشعروا بشيء من الراحة عندما يرون من لا يحمل فضيلة العقل الذي كانوا يستمدون منه ذكائهم الفطري. لا أبالي فأنا المجنون فكل عمل اقوم به لا يثير بهم سوا الشفقة فعمدة الى زيادة هذا الجنون بالصراخ والنحيب والتأوه كل ساعات النهار، وفي الليل اولى ساعاته اقضي الوقت بالضحك على ما فعلته بهم وعندما تختلط مشاعر الاغتراب في تلك اليالي كنت احاول ان اعيد بناء هذا العالم واقضيه متأملا في كل شيء حتى يحين الصباح فأفجر تلك الافكار واجعلهم يضحكون او يشفقون او يلعنون وجودي.

لا لم يكونوا يفهموا تلك الكلمات التي انطق بها فكانت الرحمة بمستواها الاعلى والشفقة بالمستوى الادنى هي من يعمدوا اليها فالرحمة كانت تظهرهم بنفوس كبيرة ممتلئة بكل جمالية الحياة البسيطة فكانت تجعلهم يرتفعون الى مرحلة الفضيلة العالية فكانت السلاح الوحيد لهم امام الجماهير التي تتابع مايحدث بشفقة. والشفقة كانت حصيلة لتلك الانفس الضعفة التي لاتستطيع ان تقول سوا بالدموع والكلمات الغامضة.

يجب ان اوضح اكثر اشعر بالغبطة اشعر بالعار اشعر بانني نوع من انسان متحول الى حيوان بليد انني اتقمص الاشياء احاول ان اعريها ان اجعلها اكثر وضحوحا ولكنني اضيع في متاهات هذا العقل المفزعة! وهل تعرفون ماهي الاشياء ومن الاشخاص الذي يظهرون لي انكم لا تعرفون شيئا عن كل هذا انكم تمارسون الحياة كعادة كمهنة كفضيلة وكسلاح ان اردتم؛ انتم لا تعرفون من المجنون سوا شيء واحد فقدانه لعقله لذا انتم تستخدمون احد الامرين اما السلاح واما الغريزة.

فالرحمة كسلاح والشفقة كغريزة فكانوا يمارسون السلاح ليظهروا بانهم اقوياء واصحاب نفوس كبيرة تحمل العالم في داخلها لكي تزيد من فضيلتهم والغريزة كانت ليبقوا على قيد الحياة اطول مدة ممكنة ولا اعرف لماذا كانوا يريدون ان يطيلوا البقاء فهم لا ينفكون عن النحيب والتأوه تجاه الحياة واشيائها وه لا يرضون لا يتخلون لا يتنازلون سوا بالسلاح لكي لا يخسروا لذا كتب الموت عليهم من علم مسبق.

ولان حالة الجنون التي تسكنني ميؤس منها فقد احضروا طبيبا من خارج العالم الذي نسكنه ذات يوم فاخبرهم بأنني سابقى على هذه الحالة الى قيام ساعتي واخبرني سرا قبل ان يذهب الى البعيد انني صاحب عبقرية فذة فقال

  • جنونك سيظل سرا ابدي! .

*****

في الشوارع في الازقة كنت امشي لا كنت اعدو لا كنت اركض بهيئتي المخيفة وملابسي الرثة كنت امارس التمثيل وقد ارهقتني تلك العبقرية فكنت اريد ان اصل الى المكان الذي يتواجدون فيه قبل ان تطير الفكرة بشكلها الذي احببته. فكرة العبقرية توصلت لها بعد ايام منهكة من كلمات الطبيب اعترف انا استعجل الاشياء ولا ادري ما هو السبب لكل هذا ولكنني اعتقد بالحدس بانني وصلت الى المعلومة بشكلها الصحيح لذا اخرجها بسرعة ثم تطير الى ماوراء الشمس ليلتقطها انسان اخر اشد فطنة واكثر صبرا ودراية بالامور فيتقن اسلوب تعبيرها للعالم فيصبح فيلسوفا!

كدت انسى العبقرية .. اه العبقرية انها وكما اذكر كلماتي في ذاللك اليوم المشمس المجيد كنت اقطر عرقا تكاثف على جبيني وجعل الناس تهرب من سماع تلك الكلمات ليتهم كانوا يعلمون عن اثر تلك الكلمات لو انهم توقفوا فقط ولكنهم ضحكوا وتمتموا بالكلمات واستخدم احدهم حجرا ليبعدني عن المكان، العبقرية نعم سأخبركم بها انها تبدأ بالغرائز بمجموعة منها غريزة للبقاء غريزة للبيع والشراء غريزة النفاق وغريزة العفة وغريزة العادة وهي اشدها فتكا والما وغريزة الشبق الجنسي المظلم ان هذه المجموعة وقد تعمدت عدم ذكر جميع غرائز الانسان انها تشكله وتجعله يقع تحت مسمى “الانسان البدائي” وعندما يحاول ان يتقدم خطوة الى الامام يكون الجهل بهذه الخطوة نتيجة للاتداد الى الخلف والتقهقر لذا قد يخجل من العمل للخطوة مرة اخرى خوفا من الفشل لذا يقع فريسة الندم والهذيان وعندما تتملكه الجسارة للخطوة الاولى وبعدم تكرار للخطأ يتقدم خطوة عن الجهل تجاه المعرفة بشكلها الجديد فيصبح اكثر غرورا وفرحا بما حصل عليها من اقدامها الى العبقرية.

هذا ماقلته وسط الصخب الذي كان يملؤ المكان فضحكوا كما اسلفت بالذكر وتمتموا بالكلمات واشفقوا حتى رمي الحجر فذهبت الى الازقة مرة اخرى.

لكل شيء استثناء وهناك الرجل المستثنى من كل هذا.

سأخبركم عنه بالتفصيل لا تستعجلوا لا ترهقوا انفسكم كل شيء في الاوان المناسب، انني الان وفي هذه اللحظة اشعر بالنشوة وهي نشوة غير مستقرة غير محسوبة تذهب وتأتي ولا تتوقف عن الحركة كطفل كمراهق كحالة ذهنية بوعي منقوص بسب الذكريات والحنين. انني اعاني عندما اتذكر الرجل الذي كان دليلا لهذه الكلمات المكتوبة ولانه كان اذكى فانه كان قليلا الكلام متفرسا للوجوه يفيض سعادة يفيض ايمانا يفيض من الكاباة والالم كان مليئا بالتناقض الغريب.

انني مريض مرة اخرى فقدة الاعجوبة فقدة التناقض فقدة العبقري والعالم كان صامتا كما يفعل كل مرة لا بل كان يضحك بقسوة غريبة!

الاستثناء..

خرجت من السوق وانا اردد من هو العبقري؟ من هو الفذ؟ وهل انامجنون؟

” في هذا الهذيان ان تشقى” الصوت مر من جانبي وقال هذه الكلمات التي احدثت تصدعا داخليا في ذاتي المرهفة ذاتي المجنونة فالقشعريرة جعلتني اقف في مكاني واشعر بالدوار وكان العالم كان ضبابيا.

وضع يده على كتفي وبحركة لا ارادية والتفافة سريعة وكانني استيقظ من حلم دفعت هذا الرجل

  • من انت! “قلتها وكانني استسلم لشيء داخلي
  • انا المجنون الذي لم يعلن عن نفسه بعد.
  • انا المجنون الوحيد في هذاالعالم!
  • كل هذا العالم مجنون.. انت! لا انت صاحب عقل فذ.

وكانني نسيت كل شيء واصبت بسعار داخلي جعلني اقول بصوت عالي عالي جداَ

  • انا المجنون! انا المحنون! انا المجنون!

صارخا في الشوارع بهذه الكلمة الاخيرة هاذيا بها في الساعات التي اعيشها حتى خارت قواي الداخلية واصبحت افقد كل شيء الصوت والحركة حتى اسقطني الالم طريح في العراء.

انا شقي لا نني اهرب انا شقي لانني مجنون لانني امارس عادة التفكير في عالم يتبع الغريزة ولا نني الوحيد واصبحت الاخر واصبح هناك من يتشارك معي هذه الحالة العصبية، اصبح الناس يشفقون علي اكثر لا لشيء فهم لا يعرفون السبب الاكيد لهذا الالم الذي جعلني اسقط هذا السقوط وبعد مدة ليست بالقصيرة عدت الى الحياة عدت والالم يسكن كل ملامحي اصبحت امشي فقط امشي بلا كلمات بلا اغنيات بلا حركات جنونية امشي فقط.

وفي احد الايام تقدم الرجل الى وقدم نفسه بهيئة كاملة

  • انا غالب.

وبارتباك شديد اخبرته اسمي

  • وانا ابراهيم
  • لا تقلق مجنونا يتحدثان بدافع الشفقة!

ضحك بصوت عالي للحظة واحدة ثم مالبث ان عادت اليه هيئته الوقورة فقال

  • يجب ان اخبرك بقصة!
  • وماهي القصة؟
  • انها تداخلات الكلمات في ما بينها هذه هي القصة!
  • اهي القصص التي تخبر الام بها اولادها قبل النوم؟
  • لا انها لا تساعدك عل النوم انها تخبرك بهوية العالم .. او بالاحرى جزء من الهوية.

وهكذا راح يحكي قصته الغريبة.

النهاية كبداية:-

كان الدخان يشكل غيمة سوداء في وسط السماء الصافية ولم تزل تلك الغيمة ثابتة في أذهان الجميع. ولأنهم حفروا حفرة كبيرة بعد ان اتفقوا على حرق جميع الكتب الموجودة والاحتفاظ بالقليل منها مع الذين يحملون فضيلة ذالك المجتمع الصغير. وبعد ان وضعوا كل الكتب في الحفرة وقاموا بإشعال النار فكانت تأكل كل مايضعون فيها من الكتب بشهية كبيرة فألسنت اللهب كانت في تلك اللية تضحك ككلبة مسعورة! واخبروا الناس كل الناس القريبون والبعيدون  بان مايضعونه في هذه الحفرة هو رحمة لهم لانها باب مفسد لاخلاقهم ودينهم. ومن بينهم كان هناك رجل واحد مخالف وهذا الرجل هو من احتفظ بالقليل مما لديه في احد الصناديق المختفية في بيته، فكان يقرا على ابنه الصغير ويخبره بان هذه القصص الموجوده في الكتب هي محرمة امام الناس ” لا تخبر احدا عن هذا!” وكانت تظهر على قسمات وجهه ابتسامة ضلت في عيني الطفل الذي اصبح رجلاً بعد مدة ليست بالقصيرة.

 

 

كيف يشقى الانسان؟

يقال ولست من يقول وانهم هم الذين قالوا وهم يتهامسون خوفاَ! خوفا من ماذا؟! ان الحياة التي يعيشها الانسان والتي تمر به كلمح البصر عندما تدنو منه ساعته فتشرق الذكريات سريعة وتختلط الوجوه مع المواقف فتصبح مزيجا يقفز من رأسه ويطفو امامه وتهرب بلا ملامح في ومضات سريعة فيرى خلال تلك اللحظات مقامه الذي سيعيش فيها أبديته فيقول” ربي ارجعون لعلي اعمل صالحاَ” وليس هناك طريق للعودة فهذا هو اليوم الذي كنت تهرب منه طوال حياتك.

وبينما يحتضر اخر ويرى مقامه الذي عمل من اجله حتى ظن ان هذا اليوم لن ياتي وها هو قد اقبل ودنا منه مبشرا بحياة ابدية سعيدة فيبتسم وتخرج روحه بخفة ولا يشعر بمن هم حوله ممن يبكون ويتباكون على رحيله!

اذا لما الخوف ولماهم يقولون ولا يصدقون يتناقلون الكلمات فقط ولا يعونها يقلبونها بألسنتهم ويحرفونها ويخافون ان تنسب اليهم! من القائل! ولما هم الناقلون؟.

أنا احد هؤلاء الذين كانوا ينقلون الكلمات على لسان احدهم بلا شاهد ولا مشهود فالكلمات كما اذكر وقد ازيد فيها بعض مما عندي وماعندي سوا الحوادث التي ظننت انني شهدتها ومن يعلم من الناس هذه الحقيقة.

قيل عن الشقاء ” يشقى الانسان بخروجه عن المألوف وهذا الخروج يتمثل في امرين الأول: النسيان. والثاني: تحريف الحقيقة.”

والانسان صاحب الكينونة والعبقريات التي تتفرع منها المشاعر ..والعقل ..والقلب الذي يصل بينها فتصل به الى بر الحياة وهو فضيلته التي يعتقد بانها معصومة عن الخطأ.

فالانسان مشتق من النسيان والناس كذالك مشتقون منه فهم اليه مرتاحون كأفراد وجماعات وأمم وشعوب تلتلقي للتذكير بأنها مجموعة من هذا الانسان؛ ولكن هل ينسى وهل يغفر وهل يصلح لمن يجيء من بعده؟

البعد والجفاء.. الأكراه والحسد.. الفساد والتدمير.. والضعف الذي يمليء على الانسان العمل للوصول الى القوة والانعتاق من عبوديته وكل هذه الصفات عادة اليه الى شقاءه الذي يعتد به كفضيله؛ وهذا قد لا يكون جميع ما اختص به الانسان من فضائل ولكنها في قلبه يحملها ونسيانه لها لا يعني عدم احتمال وجودها فهي مدفونه في أعماقه.. أعماق كليته التي لا يشعر بها.

ان هناك مصطلحين اساسين الشقاء والنسيان ونقطة الالتقاء هي حامل هذه الخصائص والناس هم الناقلون لكل ما يحدث في العالم واكثرهم مذعورين مما تحمله قلوبهم وتنطق بها السنتهم خوفا.
وهل يختفي الخوف وتحل الرموز؟!

لا شيء يختفي ولا شيء يعود كما سبق وكان وانما ينسى ويتبخر؛ وعندما يعود سوا في حالات الصفاء او الحزن الشديد او الهلوسة التي تسببها المشاعر فانه يحل الشقاء.

والخوف! الخوف لا يختفي وانما يتم تشتيته بالاسئلة فالاقدام نصفه خوف والجبن بسب كثافة هذه المشاعر والتردد في المنتصف ينتظر المحفز المناسب او الوحي الالهي للحركة.

وبما انه يحمل العقل والقلب والمشاعر فانه يختار الاقدام او الوقوف بلا حركة او العودة الى الوراء وعندما يحل هذا الشقاء ويطرحهم ارضا ولا يبارحهم مدة من الزمن حتى ينسى ويتبدد؛ فبعد ان تعود قواهم الى اجسادهم ينسبون ماحل بهم الى ظروف الحياة واخرون الى الخطأ واخرون الى الضعف والعبث واخيرون الى اقدار الله.

كيف؟! لماذا؟! ومن! والى أين!

سؤال الكيفية “كيف” ينم عن معرفة بحثية وبقية النوذج مكملة للمعنى عندما تستعصي الاجابة وايا كانت الاجابة فيطرح السؤال بصيغته المطاطة ” كيف اصبح العالم بهذا الشكل!” فيصبح خيال السؤال مركباَ وشبه ملموس والخيالات الاولى يشار اليها بصحتها دائماَ.

ثم يخرج السؤال من قالب الكيفية ” لماذا لم يتخذ هذا الشكل!” فيدخل الخيال في دهاليز لماذا من كوة الكيفية.

فيصبح السائل مشتتا بين الكيفية ولماذا. فيصدر الخط الذي يقطع هذا التوازي ويحدد الاجابة الى اليمين او اليسار بشكل بدائي “من الذي يحدد الشكل! ومن يعرف الافضل! ولماذا!” لعبة القوالب. هذا ماتقوله الاسئلة وهي تبني وتهدم وتصل في نهاية المطاف الى الاجابة البدائية التي كان يعتقد انها الخطأ؛ فالأسئلة والسائلون يخطؤون قبل اصابتهم وقد يخافون منها ولا يحاولون الاجابة فيركضون الى البعد الذي يأخذهم الى ماقبل نقطة البداية الى النسيان مرة اخرى ويطرحون اعجابهم بخيالاتهم ويقولون او لا انهم يتسألون بصيغة اخرى بلا مخاوف وبلا تفكير ” أين يعيش القمر!” وبلا تردد يجيبون ” في السماء.. في سماء الله الواسعة.” وقد يضيفون بأبتسامه لعبقريتهم الخالدة ” انه جرم والجرم ساكن لا يتحرك!” فيصمتون وتتطاير الافكار من رؤوسهم ثم يهتدي احدهم ويقول ” سمعت ان الارض تدور حول الشمس والقمر كذالك يدور حول الارض!” فتلتمع عيون بعضهم وتجحظ عيون اخرون ويركضون في صباحاتهم لينقلوا ماسمعوا من الغرابة.

ولا تنتهي الاسئلة فهي تنسى لكي لا يشقى اصحابها ويعاودهم وخز الضمير من النموذج الذي اتبعوه.

*****

ما صيغة السؤال لطارح الأسئلة وما هو النموذج المتبع للمتابعة والتحفيز وماهي الكلمة التي تعبر عن نموذج السؤال لتحفيزه على الاجابة وعدم العودة الى الوراء حيث لا ماكن وحيث يعم الهدوء.

نقلوا عن بعضهم بأن السلوك يولد مع الانسان ولا يتغير وقالوا من ضمن كلماتهم انه يورث ولا يمكن العمل على اصلاحه فالفاسد يبقى فاسداَ شقياَ والصالح كذالك.

ومما نقل عن غيرهم وهؤلاء يطلق عليهم أهل الفساد وضد الانسان وهم من شرع بالقول بأن هناك أنسان حديث وقديم وقولهم ان الانسان لديه القدرة على الولادة في هذا العالم اكثر من مرة وهذه الولادة الجديدة ينتج عنها انسان جديد بأفكار ومعتقدات مختلفة عن ماسبق.

وموضع الخلاف بينهم القديم والحديث هو تغيير سلوك الانسان وانتقاله بنفسه الى عوالم اخرى وهذا مايتنافى مع اصحاب الموروث فكل طرف اقام حجته واخرج الاخر من الملة!

وهذه نتيجة الطرافة والفراغ لدى الانسان فهو ينقل  على لسان غيره ان اراد ان يختبر ردة الفعل لدى الاخرين ثم يهرب متبعا نموذجه السابق حتى يعود الى الوراء متخلفا!

ومن الغرابة انهم اتفقوا هؤلاء الاشقياء في ليلة بلا قمر على قصة قد سمعوا بها وقال البعض من الفريقين انهم شاهدوها كما شاهدوا القمر في ايامهم الماضية وقد نقلت وحرفت واصبحت أسطورتهم اليتيمة!

 

 

الزهرة!

وحقل الورود كتب فيه من كتب ان كان شعرا او نثرا فما هو الفرق الفرق في المعنى الذي تولده الكلمات في اذهان مستمعيها او قارئيها لا يهم كل هذا لا يهم.

الزهرة! زهرة الياسمين كما أطلقوا عليها بعد ولادة عسيرة وقد اختلفوا في ذالك ولانها ساعة فرح فقد كانوا يضحكون ويبتسمون وهم على خلاف في الرأي ولانها ساعة فرح والغرفة تمتلئ بعبق الورود الذي جلبه الزائرون. فكان الخلاف نقاشا لذيذاَ فالضيف الجديد أطلقوا عليه او اطلقوا عليها اسم الياسمين وكان اصل الخلاف على المعنى فقال احدهم ويقال انه اخو الزوجه” في المعجم العربي الياسمين زهرة لانها بيضاء تسر الناظرين.” وقالت ويقال انها اخت الزوج” إنها وردة وهي من الزهور.” وقال الاب ” هي الياسمين وهي وردة وزهرة لا يهم.” وقالت الام ” انها زهرة الدنيا ونوره!” واردفت والتعب يسكن ملامحها والابتسامة على محياها ” هي ياسمين وهي كوكبة زهور هذا العالم.”

عادوا بها الى المنزل فرحين يغنون لها ويصفقون ويشتقون من الاسم اسماء جديدة ويوم بعد يوم يصبح في كل ظرف لها اسم فعندما تصبح اليوم مشمساَ يسمونها “ياسمينة” وعندما يحل عليها الحزن ضيفا غليضاَ ينادون عليها ” الياسمين” وفي الايام العادية التي تخلو من كل محفزات الساعدة تكون هي سعادتهم ” سوسو!”.

الزهرة الابنة الاولى والوحيدة لتلك العائلة التي كانت تتغنى بالسعادة وتتغني بـ ” سوسو” فالقصائد التي كانوا يحاولون كتابتها سويا فأصبحوا عاجزين حتى حاول الزوج ان يسرق الابيات من الكتب ويخبرها ” من سيدري يا إيمان اخبريني من سيدري انها طفلتنا دعيني القي القصيدة وليتفجر الفرح!” ورفضت الزوجة فانتقلوا الى كتابة النثر وحاول اكثر من مرة وعجزوا كذالك وبعد مدة وقبل ان تخطو الياسمين خطوتها الاولى القت إيمان عليها الابيات و فالح كانت عيناه تلمعان من الفرح.

 

الزهرة الصغيرة      إشراقة المدينة!

الزهرة الصغيرة      وداع المدينـــة!

وكبرت ياسمينة واصبحت أنثى ناضجة وتسألت عن القصيدة التي يتغنى بها الاثنان إيمان وفالح والديها السعيدين فاخبرتها امها والاب عيناه تلمعان وهو يسمع الكلمات ” عندما تكبرين سيكون هذا الرمز محلول أمامك!” واضاف الاب ” لا تخشي الوداع فانت اشراقة المدينة كما للوداع نصيب.” وابتسموا ثم ضحكوا بعد ان القوا النكات والقصائد المسروقة التي اصبحت منعها من الماضي السحيق.

وفي وحدتها كانت تبحث عن الاجابة في البيتين المهزوزين فكانت بعد حيرة وساعات من التفكير تقول”قدومي الى العالم شروق.. وحين اموت اصبح وداعاَ!” وتسقط الدموع من عينيها ويتورد خديها حزناَ للموت الذي تخشاه كما تخشى اختفى هذا العالم.

وتمضي بها الايام كما تمضي بالجميع يولد ناس ويموتون يتزوج ناس ويطلقون وتستمر الارض بدورنها حول محورها وفي مجرتها حتى يتوقف كل شيء ولا يعلم الا من خلق كل هذا عن ساعة النهاية.

وتمضي.. الدقائق تتبعها الساعات وتتبعها الايام والشهور والسنوات وتمر على ياسمين الذكريات التي كانت تتفجر سعادة فتبكي وتنطوي على نفيسها في غرفتها الكئيبة؛ فمر خيال ابيها وامها وهما يبتسمان لها وينشدان لها الابيات فتبستم في الظلام ويذكرنها بالرموز ويطلبان منها ان تحل هذه الاحجية ويقولان بصوت واحد ” كما اصبحت شروقا تصبحين وداعاَ وكل شيء في الحياة يكرر نفسه!”

تنهض من سريرها وتفتح الستائر فينبثق الضوء فتغلق عينيها بيديها الناعمتين وتفتح جزء صغيرا لترى فيه العالم من بين اصابعها وشيئا فشيئا تبعد يديها وتنظر الى الخارج نظرة طويلة وتلاعب الهواء بيدها وتغني اغنياتها السعيدة فلا تتوأم مع حالتها المزاجية فتحاول ان تتذكر قصائد والديها التي كانوا يبحرون بها فلا يظهر أمامها سوا قصيدتها واقفة امامها مبتسمة لها بحزن؛ فتبحث في غرفتها فتجد كتابا قريبا منها مجموعة شعرية محمود درويش فتقراء

 

 

 

 

” تنسى!

كانك لم تكن ..

تنسى كمصرع طائر ككنيسة مهجورة تنسى!

كحب عابر وكوردة في الثلج تنسى!”

وتتساقط منها الدموع ويسرق منها الحزن ايامها فلا هي تقدر ان تكمل حياتها الجديدة بزواجها الذي تم بسرعة من رجل يختلف عنها اختلاف كلي وكانت موافقتها بدافع الهروب من من أووها عندهم فعمتها كانت كثيرا ما تملي عليها وتقول لها ” رحم الله فالح جابك او وهقنا فيك!” وتستمر في عالم من الاستبداد والصراعات الداخلية والخارجية ثم انتقلت بعد ذالك الى خالها وهو بدوره كان اكثر اضطرابا وحقدا فكان يعاملها كخادمة وعندما تقدم لها احد الذين يعرفهم ارغمها على الزواج منه وهي بدورها وافقت بلا تردد هربا من الايام الصعبة.

هل تنتهي الايام الصعبة! وهل يمكن للايام السعيدة ان تعود! ولما الحياة لا تبقى لاحد! كانت تتردد عليها الاسئلة وهي نتظر الى الناس وهم يروحون ويجيئون في عملية ركض مستمرة. ويتردد عليها سؤال اخر ” وهل هم سعداء!” ولما يتقاتلون على كل شيء!” وتغيب شمس يومها والاسئلة يوما بعد يوم تتكاثف في راسها وتصبح سلوكا فتخبر زوجها انها لا تستطيع اكمال الحياة معه وكانه كان ينتظر منه هذه الكلمة فيرسل لها ورقة حريتها وتطير الى عالم اخر الى عالم رحب وسيع فتقول بعد ان صعدة الى الطائرة المتوجهة الى غربتها “ارض الله واسعة وكما تغيب الشمس مودعة العالم تشرق مرحبة بهم في يوماَ جديد.”

*****

بين شروق شمس وجنون ليل!

بين إنتكاسة وإنتفاضة ومابينها الخيط السميك خرج من الفريقين مختلفين على أسطورة الاتفاق على الزهرة! او الوردة! او الياسمين! ! وعلى بيت الشعر ! والصفات التي ورد ذكرها على لسان الذين اضافوا الى ماسمعوا الكثير من الخزعبلات.

فرق وجماعات وبشر تبحث عن حالة تبقيهم في هذا الوجود الذي يشكلون منه ذرة والذرة لا تذكر في قلب هذا الوجود العظيم.

فكيف يرضى الانسان!؟

المحايدون الذين خرجوا من عمق المشكلات وهذه الفئة يقال لهم الضالون يناشدون الحرية والسلام والانعتاق من الاسطورة الى صناعتها من جديد والانتقال الى عالم اخر. كانوا يتقابلون سرا في بداية الامر وبعد ذالك اصبح لهم عالمهم الخاص واعلامهم الرسمي وكان الجاوسيس يحظرون مجالسهم ويستمعون احاديثهم واغانيهم وقد شكلوا اسطورة حية. وبعض الجواسيس اصبحوا منهم فقدم اخرون واخرون حتى ظل جميع الجواسيس واصبحوا من الفئة الضالة.

وفي احد لياليهم الطويلة السعيدة الاخيرة قبل اعتقال أميرهم غالب  تذاكروا فذكروا عن الليل قصة وقال بعضهم انها انشودة الايام الحزينة وقال اخرون انها تحليق في الافق البعيد ولطولها وغرابتها قد نقلت ونقلها غالب بنفسه فقال عنها.

*****

 

في الليل!

والظلمة تزداد وحشة والنور يتبدد بشكل عفوي غريب؛ كل ليلة يتمايل الليل وأطيافه ونجومه المضيئة المتلألئة كالقناديل في بحره تزداد غضباَ وانفجاراَ بأقترابها من بعضها ولتلك الانفجارات المتكررة يتثأب القمر قبل ان يكتمل بدرا اعلانا منه حالة الملل من كل ما يحدث ومن تكررات النجوم والبشر الذين لا يلبثون ان يعرفون شيئا من شعر قديم حتى يخبروه اياه في لياليهم السعيدة ومايلبثوا ايضا ان يعاتبوه في ليال التعاسة المريرة وهم يبكون تحت نوره المتناثر في الارض!

في الليل تبدأ الحياة من جديد وتأخذ لونا اخر فيصبح بعيون البعض طويلاً نزقاَ مهيباَ ولا يتوقف عن ملئ هؤلاء الذين يخافونه وجعاَ والماَ. فلا ينامون؛ يتقلبون على جنوبهم يمنة ويسرة يحركون اقدامهم ليشعروا بها ثم تنتقل هذه الحركة الى ايديهم فيحركونها يمنة ويسرة مرة ثم الى الاعلى والاسفل مرات. يملؤن صدورها بأنفاس تلك الليلة ويكتون الهواء للحظات ثم يزفرون بحدة وهم يتململون من كل شيء. فيجلسون وظهورهم مستوية بالكامل ويغطون وجوههم بأيديهم محاولين ان يستريحوا ولكنهم لاينفكون عن الغمغمة والدعاء والبكاء!

يقول أحدهم ” ايه الليل ما اشد بطشك كن حليما!” ويقول اخر” فلبي.. فلبي ضعيف جدا لا استطيع ان اجاريك!” وتقول اخرى ” ايرضيك ان يختفي هذا الجمال مني سريعا ان اصبح عجوزا!” والاخير ” انك عنيد طويل لاتنهتي!”

والقمر ما زال يتثأب والنجوم تتفجر والليل يرخي خيوطه مع أنفاس الصباح الاولى فينام اولئك الخائفون مع تلك الانفاس الساحرة وهم متعبون.

في الليل عالم يتبعه عالم تتبعه عوالم وينتهي في ارض واحدة واسعه وانسان واحد لا يختلف سوا باختلاف وطئة الليل على نفسه. وكما يقولون في مصائبهم ” لا بد ان ينتهي ولكنه يزداد حدة وطولاَ كل مرة”

تلك الليلة كانت بلا غيوم سماء صافية والنجوم تتدلى من السماء والقمر مبتسماَ او انه خيل لهم ذالك؛ كانوا يرسمون قصائدهم الغزلية الاولى ويجربون نشوة الحب المقدسة بشكلها القديم الذي لم يتغير. يصبح اصحابها منعزلين وأكثر ارتباكا في النهار والناس يشيرون اليهم بأصابع الاتهام بنظراتهم ولانتهاكهم المحرم لذا هم هاربون الى الليل؛ هاربون برخاوة اجسادهم وكلماتهم الاولى البعيدة عن الجمال.

هذه الكلمات وسيلتهم لاقتراب ارواحهم لتلامس بعضها فينظرون الى السماء الواسعة بنجومها القريبة التي تشع لامعة في قلب أعينهم الصغيرة فيلتهبون وتقشعر اجسادهم ويسرحون مرددين تلك الابيات التي حفظوها أو انهم حاول انتشالها من أعماقهم بصعوبة ” صاحت نجوم الليل مع كل دمعة   ” ولا يكتمل البيت يتيم فيصبح شيء فارغا من المعنى ولكنه يصيح به الى النجوم حتى الصباح.

والمحب للكلمة البليغة ينطق حرفه عربيا او يدعي ذالك.

” ايتها النجوم!

الا تكفين عن الحديث عنها ؟

الا يكفيك هذا الوجود الشاسع؛  الا تبحثين عن غيرها ؟

هي لي وانت حرة هذا الفراغ! ”

يكمل قصيدته. يعلقها ثم يقربها من صدرها فيملها فيضعها فوق احد كتب الشعر القديم لشاعر قد طوته السنين ويقول ” أنا سارق ولكنني عاشق وهذا الشعر لا احد يعرفه سوانا.”

والاخيرة تحت تلك السماء المبعثرة تقول ولكنها خجلاَ امتنعت عن البوح بما في صدرها من كلمات فتورد خديها واحست بقشعريرة تملؤ جسدها المكتنز وبشبق لا ينتهي فتسرقها النشوة الى عالم اخر حتى تبتسم وتغو وعلى يديها قبلة اهدتها الى….!

حياة الليل طويلة حياة الليل تختلف عن النهار الليل يخفي بظلامه كل شيءالعشاق والخائفون القصائد و الذين يقرأونها والذين يبتهلون بالدعوات والاحلام والامنيات كل هذا في الليل في يوم واحد من ايام السنة ويتغير ليل كل واحد باختلاف معتقداته وافكاره باختلاف التجربة وكثافتها.

فليل الذين يبتهلون بالدعاء والصلاة والنحيب؛ يمختلف الصلوات والدعوات كلهم يبكون فواحد يصلي مستقبلا البيت العتيق القبلة الاولى ويقولون الذين سمعوا به او راؤوه امامهم ” يصلي ويدعو الفراغ” ويقول بعد ان تنقل له الكلمات بلسان احدهم او بعد ان تقلها لغة العيون ” ان غداَ لناظره قريب” وكل منهم يكمل طريقه ومنهم من لا يدعوا احدا يرفع راسه الى السماء فلا يجد شيئاَ قلبه ممنوع من النظر في السماء عمي عن الحقيقة الكبرى؛ فينكس رأسه وقلبه يرتجف في اضلاعه ويقول بكبرياء وحبات عرق واضحة على اطرف شفتيه ومقدمة راسه يمسحها بيمناه التي ترتعش ” أنا متأكد ليس هناك احد!”

وهؤلاء بأختلافهم لا ينفكون عن الدعاء والتضرع عند الحاجة فصاحب القبلة يدعوا دائماَ عن جنة الخلد ومافيها من طيبات، واخرى من ضغوطات الحياة يطلب من الله ان يجعلها سهلة مستساغة ويتذكر خلال دعواته قصوره الدائم وافكاره التي جعلته يقدم على سيئات ماعمل في الماضي والتي قد تحرمه رائحة الجنة فيلهمه الله برحمته التي وسعة كل شيء بانه يغفر الذنوب جميعا فيبكي لعظمة خالقة ولا ينتهي من الدعاء والصلاة حتى يسقط من التعب.

وصاحب الصنم أي صنم كان مربعا او مثلثا او مستطيلا، صغيرا او كبيرا يتحدث اوصامتا مايهمه ان لا يخالف طبيعة عقله ومنهجه القديم منهج ابائه وسلفه الصالح. يدنو منه ويحرك يمينه او شماله يردد قصيدة او يعترف بذنب، وقد تقطعه شكوكه في منتصف ادائه لموروثه فيتوقف عن دعواته المجيدة ويشرب من قنينة ماء قريبة منه يملؤ بها فمه ويحاول ان يبصق ولكن صورة مخيفة تظهر له في وجه الصنم فيبقى متردداَ ويبلع كتلة الماء التي تحجرت ويسعل بصوت عالي ويرفع ناصيته الى الصنم فيجده كما اقدم عليه مبتسما فيذهب ولا يعود مرة اخرى!

وفي الليل ايضا، في اواخر الليل بوجود القمر او في غيابه، بنجوم واضحة او غائبة حزينة بسماء غائمة او صافية اصحاب الاحلام يغريهم اليل بكل منغصاته. فملامح وجوههم بحجم الاحلام التي يلامسونها فعندما تصبح اكبر منهم تغرق عيونهم بالدموع ويرغبون بالوصول اليها ولا يتنازلون عنها ماداموا احياء في هذا العالم.

وتشرق الشمس، تشرق على الجميع فينهضون بكسلهم و رغبتهم الكبيرة في النوم ينهضون كل الى عالمه المجيد الى عالمه الذي يكون فيه انسانيته وتجربته الخالدة ينهضون وبعضهم لا يطيق البدايات لذا يكره الشروق. يخرجون ولما لا يخرجون فخروجوهم ايمان بحريتهم ايمان باليوم المشهود ايمان بأنعتاقهم من احلامهم ووصلهم اليها ولو بعد حين.

كان ولم يكن، يقال انه كان واقول انه لم يكن كل شيء يحدث صدفة وما ينبغي ان يقال ان يجب ان يكون حاضرا وشاهداَ في الوقت المناسب ولكن لا تنتهي مفاجات الحياة وتصمت في الوقت الذي يجب فيه ان تتحدث وتقول بصوت عالي ويتغير مسار كل شيء ولكن الدوافع وتلك الذكريات التي لا تمل تطل برأسها فتحدث فجوة بين الكلمات والسكوت فتصمت في وقتها و تتحدث في وقت الصمت والتأمل.

كان وهذه المرة حقيقة!

والحقيقة للاسف إندثرت مع التعجب الذي حل بعدها أو انها اختفت مع عتيق الذي يعيش في أكثر من عالم فعندما يخرج في الصباح وبعد ان يأخذه الزهو بنفسه ويبتسم الى مرأته المكسورة في المنتصف فينظر ان كان منتشياَ ممتلاَ بالسعادة في قسمها الايمن فتعكس الوجه الدائري بلحيته السوداء وقسماته البارزه بتجاعيدها  التي تعطيه الرزانة وعينان كلون الصحراء التي ولد فيها، بريقهما يصبح عرسا لاولئك الذين يبحرون بهما والما لاولئك الذين يكرهونه. وانف طويل بإنكسار في نهايته قالت” وستر الله وانا امك اننا لحقناك ذيك اللية ولا كان رحت!” وتضحك امه بعد حديثها وتضع يدها على ثغرها مخفية تلك الاسنان المصفوفة بعناية كاملة. يزيد من إنكسار انفه وميلانه ابتسامته الواسعة فيصل الى لحظة كاملة من الثقة فيمسد بيده اليمنى شعره ويقول ” اليوم يومي وبكرا لغيري!” فيخرج الى عالمه الاخر العالم الذي يعيش فيه بكليته ولا يستهزء به ويقول لرب عمله ” انا تبعكم وحاضر باللي تامر فيه ياطويل العمر.”

اما عندما يصاب بحالة الاكتئاب فيكره الخروج ويلعن كل شيء ولا يخرج الا بعد ان تنتهي الشتائم التي يحفظها ” هذا يوم الغير!” وما ان يهدأ ويعود عقله الى مكانه حتى يستغفر ويتسعد مستعجلاَ ويقف قبل خروجه مهزوزا فيقف كعادته في المنتصف ليقرر الجهة التي تظهره كاملاَ فيختار اليسار ولا يبتسم ينظر فقط الى حاله ويشفق على نفسه ويعود بذاكرته الى الوراء الى اليوم الذي اخبر فيه عن هذا المرض (الاكتئاب).

دخل الى غرفة الطبيب، الطبيب العام العارف بكل الامراض التي تصيب البشر. بخطئ مرتخية و زحام بين الافكار، افكار المرض والصحة وفي هذه الحالة تختلف الاحلام تصبح الحياة بلا معنى مع المرض يختلف نصاب كل شيء يقول في داخله “سأتبرع بكل المال الذي أملكه و سأبني داراً للعبادة وسأساعد الفقراء .. نعم الفقراء عائلة س.. تحتاج الى المال سأعطيهم كل المال الذي ادخرته!” وفي تلك الاقاويل التي تخضع لها نفسه ينادى بأسمه ” عتيق محمد العبدالله” وكأنه يستفيق من أحلامه وينادى بأسمه مرة اخرى وهذه المرة بصوت اكثر حدة ” عتيق العبدالله!” ويرد بصوته المبحوح “موجود.. موجود”.

يجلس في الكرسي القريب ويتفحصه الطبيب ذو الوجه الغريب الذي يشكل دائرة شبه كاملة من الاعلى وطبقة الشحم الكثيفة جعلت النهاية لذالك الوجه مشوهه وجسم كبير ممتلئ متضخم كان هذا الطبيب لا يتوقف عن قبول الهبات والاعطيات ولا يتوقف عن الاكل حتى في عيادته كان يفتقر الى التهذيب في طفولته واعتقد بان الحرمان هو ما جعله يصبح على حال كهذه الحال.

فقال الطبيب بعد لحظة قصيرة من النظر في الملف

  • مصاب بالاكتئاب؟
  • يقولون يا دكتور!
  • مين الي بيقولوا يا سيد
  • – الناس ذبحونا انت مريض اكتئاب وخرابيط فاضية شفني يادكتور مافيني الا العافية!
  • بتهرب من المرض خليك راجل.

وضحك ضحكة مجلجلة حركة كل شحمة في جسمه والغريب في الامر انه يضحك على جميع المرضى الذين يدخلون اليه انه طبيب مريض مريض بمرض نفسي خطير لذا لم استطع ان احتمل كل هذا فتوقفت في منتصف الغرفة كنت مستجمعا كل القوة التي بداخلي لكي اقدم على الوقوف ولكنني تجمدت عن الحركة بعد ان توقف عن الضحك ونظر الي بعينين حازمتين

  • مرضك خطير جدا!

وسجل في الورقة بعض الكلمات ثم نظر مرة اخرى وسجل كلمات اخرى ثم توقف وصرخ بصوت حاد

  • اجلس يا حمار!
  • سم

اشعر بالحقد على هذا الذي لا يعرف الادب بمعناه الفعلي ولكنني في ذات اللحظة كنت اشعر بخوف عميق يعتريني فلم استطع المقاومة اكثر راح يطرح الاسئلة وانا اجيب

  • ياحمار هل هذا المرض في احد افراد العائلة؟
  • يقولون اننا عائلة مجنونة.
  • ولماذا انتم مجانين؟

اكتفيت بالنظر فقط حلقت في عالم اخر واجاب بالنيابة

  • لانكم حمير انتم البدو لا تعرفون سوا ما ورثتم من الطب تعالجون به كل شيء
  • ماكبر بطنك الا حنا البدو
  • قلت ايه!
  • سلامتك.
  • المهم ياحمار انتا قلت لي انكم عيله كلها مجانين وبما ان الحالة مستعصيه اقدر اقولك ان العلاج غير متوفر لانكم حمير والحمير علاجها الموت تسمعني ياحمار.. تسمعني ياحمار!

خرج من الغرفة ممتلئا بفكرة واحدة لا ليست انه حمار انه منتهي من هذا الاسقاط انه يفكر في المرض الذي اصاب جميع افراد عائلته ولكنه الوحيد الذي تم تشخيصه به فقول بداخله ” كيف للمرض لاسم المرض ان يكسر كيان انسان كامل؟” ثم يكمل خطواته الى البيت ولكنه يقرر ان يطوف في شوارع المدينة حتى تهدء حرارة الافكار في رأسه.

 

 

 

*****

مابعد.. الليل!

كانت العيون تلتهب من لذة الاستماع وكانت تشير الى عدم الرغبة في ان ينتهي من القصة انهم بالتأكيد لن يشيروا الى هذا ولكن العيون ستفضحهم قد يبالغون في ردة فعلهم تجاه ماسمعوه ولكن الفكرة التي كانت تسيطر على عقولهم “هل يمكن ان نصاب بمسمى المرض؟” ولكنهم سريعا تجاوزوا هذه الفكرة بألسنتهم.

  • غالب انت تكذب هذه القصة غير حقيقية!
  • اعرف ذالك ومن قال انني اقول الحقيقة انني اسقط الاشياء على بعضها حتى تعود اليها لتتأكد منها من شدة التداخل الذي حل على عقلك.

فتصاعد صوت الهمس في ما بينهم

  • لا يمكن ان نصمت عن هذه الكلمات سيكون العقاب قاسياً.
  • فرد غالب بلا مبالة – ليكن ذالك.

*****

 

الحلقة المفرغة هل يمكن ملؤها؟

في حجرة صغيرة مظلمة فتح الباب فأشرقت الشمس على قبر الرجل المنسي. وهل تشرق الشمس على القبور؟ كان محتميا بنفسه وكانه القرفصاء ويهذي ولا احد يعرف بما كان يهذي كان يهذي فقط. وقطع هذا الهذيان عن طريق الدلو الممتلئ بالماء البارد فأشتدت حالة الهذيان واصبح يصرخ بأعلى صوته

  • دعوني ارجوكم دعوني اطلقوني الى حريتي!

والضابط ينظر اليه بإحتقار ويتمتم بكلماته ثم يصرخ به.

  • تناشد حريتك ايه الملعون وتعلن عن فرق وجماعات واساطير..

ويدنو منه ويهمس في أذنه.

  • والله لا أوريك نجوم يا بابا! بس قبل اطلع الي في بطنك.

يأمر الحرس ان يحملوه الى غرفة التحقيق وتطرح الاسئلة…

  • من أنت؟
  • …………
  • وماذا تريد!
  • ………..

ويتبادل الضابطان الموجودان في الغرفة النظرات ويبتسمان.

  • لا تريد الحديث!
  • اريد ان اخرج الى الشمس!

تعلوا اصداء الضحكات في الغرفة وتتكر الاسئلة.

  • اخبرنا ما الذي تريده من خلال ماكتبت! زعزعة الامن والناس! اهذا ماتريد ان الناس تعيش بخير وعافيه ما الذي تريد؟

واضاف الاخر.

  • الياسيمن والليل واخريات لا يعلم عنها الا الله هذا يأجج الناس ويجعلهم حائرون وهذا ينافي المبدأ .. اتعرف كل هذا. الناس لا تفهم ما بين السطور وتأويلها للنصوص كارثي ونحن نريد السلامة للبلاد والعباد!

يعم السكون المكان ويتطاير دخان التبغ ويخرج سريعا من النافذة الصغيرة الى السماء الواسعة ويتحدث بعد صمته الطويل.

  • يجب ان يعرف الناس ان الحقيقة شيء ليس بالملموس لا يمكن حجبه ولا يمكن اخفاؤه ولكن يمكن التفكير في ابعاده من خلال طرح النظرية او بتغيير اسلوب الحياة ولا يمكن ايضا ان تكون الحقيقة بوجه واحد لذا انا اكتب واظن انني اكتب الحقيقة!

ضربت الطاولة الحديدة بقوه وبغضب من احد الضباط المسعورين

  • الظن يوديك النار يا بابا ..

واردف بعد تراشق الزبد من بين اسنانه في الهواء محدثا بعضاَ من الترطيب

  • انتا شكلك ما توصلنا لبر نسيح دمك ونرتاح وحريتك في تولي معاك.
  • سيأتي اخرون يطالبون بحريتهم وستكون مطلبا شعبيا.

نظروا اليه وهو يبتسم والعيون تكمل الحديث بقة الحديث الذي تخلق له العيون جسورا من المحبة او العداء!

طرق الباب وخرج الضابطان وبقي غالب وحيدا.

السيجارة في المنفضة تلفض انفاسها الاخيرة ودخانها يملئ المكان، يراقب الدخان المتطاير ويقرب يده اليها وتتزاحم الأفكار في رأسه اول سيجارة مد يده اليها او انها مدة اليه! نسي تفاصيل الموقف حاول ان تذكر والسيجارة تقترب من نهايتها في كل لحظة يقضيها بالتفكبر في الماضي ويهتدي الى انها مدة اليه وكانت ترحب به في عالم التدخين البليد.

أمسك بها ويمناه او انها يسراه كانت ترتجف يقربها من شفتيها ويمتص من رحيقها وتدور به الغرفة ويدور العالم بدوره اتماماَ لدورة الحياة. ويرى خلال تلك اللحظة الوجوه واقفة امامه معاتبة له على مافعل وضاحكة على حاله الذي يرثى له وخلال تلك النظرات المتبادلة يطفو على السطح خيال امه مبتسما له فيبتسم بدوره له وتسقط من عينه دمعة يتيمة ويهيم في تلك الخيالات فيسحب من الرحيق رحيقاَ حارقاَ يسبب له الما بسيط فتسقط من يده السيجارة الى الارض وكانها تسقط الى عالم بعيد بلا قاع.

يعود اليه الواقع برتابته فينفث الدخان من صدره يطرده الى العالم ويقول” حتى هذه المادة الشفافة المميته تطالب بحريتها!” ويتردد في ذهنه سؤال اخر ” ماهي الحرية!” ويتبع اخر” ولما الشعراء والفلاسفة والكتاب يطالبون بها!”

ويضيف مجددا ” ما هي وما الاضافة الى هذا العالم” فيجيب بنفسه باسماَ ” انها الحقيقة الحقيقة التي لا يمكن ان ينطق بها الانسان يقولها الشعراء والكتاب والفلاسفة ومن قبلهم الانبياء.” لم ترضه الاجابة الاخيرة فطاف في خياله اسئلة اخرى اصبح تائها في منفاه وتخبره نفسه بجرعة أمل ” انت لست وحدك انت والاصوات التي تسكنك معك انت روائي!” يفكر في الكلمات روائي لم يستطع كتابة رواية لم يكتب سوا قصص قصيرة وليست بتصنيف القصة ولكنها كانت تثير الجدل والنقاشات الحادة وقد قادته قصته الاخيرة التي سمعها الناس في تلك اللية الى المنفى بعد ان اصبحت مهنة الكاتب والرواي ممنوعة في ليعود العالم الى الخلف الى سنواته العجاف الى نهايته المحتومة. وقد استمر الانسان بخطف الحقيقة وبعثرتها وامتلاكها لنفسه واصبح ينشر وعيا مزيفا يجعل الجماهير تفكر بيومها الذي تعيشه فقط.

واستدرك قبل السقوط في دهاليز هذه الافكار التي لا ترى سوا البعد الوحيد من زاوية التفكير ” ولما لا تفكر الجماهير؟ لما لا تحلل الكلمات التي تؤمر بها! لما لا يسألون!”

ثم ماذا ماذا بعد كل هذا …طار به الخيال الى الرواية” هل للرواية تاثير!” واضاف ” وان كانت تؤثر في الانسان فلما لا يتحرك؟” ويحاول ان يجيب ولكن الاجابة تستعصي على الظهور امامه فتأتي متقطعة تظهر وتختفي حتى يلتقط الفكرة الاسوأ والتي مثلت الاجابة ” ان الانسان يحمل ذاكرة قصيرة يستخدمها دائما لذا تأثير الرواية جزئي! لذا الرواية والرواة يحملون ميزة الندرة لانهم ..” ولم يكمل الاجابة ضحك بصوت عالي اخرج من داخله كل الكلمات والاسئلة من خلال تلك الضحكة المجلجة والتي احدثت ثقبا في جدران المكان ويقال انها تتردد في الليل في الساعات الاخيرة منه!

اسئلة وإجابات؛ اليست الحياة قائمة على هذا المبدأ سؤال يتبعه جواب وجواب يفتح الباب لالف سؤال جديد وكم كبير من الحيرة والكثافة فلما كل هذا. قانون الحياة البسيطة عيش الكفاف وهذا ماتطمح اليه الجماهير ولكن الهرم! وما الهرم! هرم الاحتياجات لماسلو يطل برأسه بعد الطعام يرغب الانسان بالاكتفاء الجنسي وبعد ان يكتفي جنسيا يطالب بحقه الاقتصادي وبعد ان يكتفي تظهر المعادن!

فتح الباب وعاد غالب الى واقعه المرير الاسئلة والتعذيب والصمت الغريب عن الاجابة التي يطلبها الضباط.

نسمات هواء منعش تدخل الغرفة يملؤ رئتيه منه ويقول ” رائحة الحرية!”

تتقدم خطوات شخصية هادئة وتأمر بأغلاق الباب ويلقي التحية

  • السلام عليكم يا ابني.

ويجلس قريبا منه مبتسما له، شيخ دين فارع في الطول بلحية قصيرة وتفوح منه رائحة الخشب القديمة بوجه مربع ووجنتان بارزتان.

  • يا ابني يبدو لي انك شاب طيب وطريق التوبة مفتوح يمكنك ان تعود والله يحب التوابين.
  • اتوب عن ماذا يا مولانا!
  • عن الافكار التي تبثها في المجتمع وانت كما تعرف ولا يخفى على من هم مثلك نحن محافظون ولا نحب الشوشرة.. فالحرية لها زمانها ومكانها ونحن راضون بما وصلنا اليه.
  • الرضى يعني السكونية والسكونية تعني ان الحياة اصبحت مثالية ولا اعتقد بأننا نقترب من كل هذا.
  • يا ابني..

وقاطع الشيخ.

  • اخبرني عن الرضى؟
  • اصله رضى الله وفروعه كثيرة تصل بك الى الحياة الخالدة باذن الله.
  • هذا الرضى مقرون بالفرد. الرضى الجماعي يسبب الخمول العقلي يجب ان تفهم هذه الفكرة تخيل عالم كامل راضي بالحياة التي يعيشها سنظل في الظلام! والحركة نتجية هروب هروب من الظلام! اتعرف بان الظلام هو اقدم مخاوف الانسان واشدها فتكا به؟
  • هذه معلومات لا تقدم ولا تؤخر انت الان تعيش في الظلام في اقدم مخاوفك انت لا يمكنك ان تكذب على لسان البشرية. لا تحاول فلسفة امور واضحة.
  • اه .. اهي الشيخ الطيب انك شيخ طيب تعيش على وهم الموت انك ترى الحياة من خلال الموت فقط ولكن اخبرني ايه الطيب اين اختفى العلم!
  • العلم لا يختفي.
  • وكيف نحصل على العلوم ليست العلوم التي ترى ماتريده انت في هذه اللحظة اقصد بالعلم كل العلوم مجتمعة

صمت الشيخ ولم يتحدث واضاف غالب

  • لا يمكنك ان تجيب ايه الطيب انني اشفق عليك كيف لك ان تنام مرتاح الضمير! ولكنك تبقى شخص طيب وروحك طاهرة انني اشعر بك لا تريد ان تمارس العلوم لكي لا تشقى اتقر بشقاء العلم للأنسان!

رد عليه الشيخ بغضب

  • ايه الشيطان لا فائدة منك.

غيمة السكون حلت على الاثنين لدقيقة واحدة شعر غالب بسكينة تامة ثم قال

– اخبرني عن الله.

– هو الخالق العظيم مبتكر الوجود جاعل الانسان خليفة في الارض حتى اليوم الذي تهرب به الام عن مولودها.

– كيف القاه وهو راضي عني كيف اشكره على ما من علي به من النعم الكثيرة.

– يا ابني الله قريب من الجميع يختبر عباده في هذا العالم ويحبهم وهو يتوسلون اليه ويدعونه خوفا وطمعا ويقول في محكم التنزيل ( ونحن اقرب اليه من حبل الوريد) الله قريب يا ابني ولكننا بعيدون.. بعيدون جداَ اعنانك الله على ما ابتلاك اصبر يا ابني والفرج قريب باذن الله نحن في اخر الزمان واخر الزمان كله فتنة اصبر وما صبرك الا بالله.

– زدني يامولانا زدني من العلم الذي تحمله.

– يقول الله جل في علاه ( وفي انفسكم افلا تبصرون) يأمرنا الله بالتفكر بمخلوقاته بالنبات والحيوان بالجمادات والبحار بكل شيء زرعت فيه روح الحياة.

– روح الحياة! اترى ايه الطيب اترى ان الله يأمرنا بان نفكر في كل شيء ولكن هناك مشكلة مشكلة تسبب العقم في العقول عندما ينظر الى التفكير كخوف من الكفر ولكن ودعني اكمل لما نخاف على الايمان ان كنا نؤمن ايمان حقيقيا ان كنا نفكر بالطريقة الصحيحة! انك روح طيبة لعلك تخبرني بشيء اخير هل يمكن ان …

وتوقف عن الحديث ولاحت الذكريات من جديد امامه وكانها شيء حقيقي فشعر برغبة لكبح الحديث وللعودة الى غرفته المظلمة فقال لينهي الحديث

– هل انا على الطريق الصحيح؟

– الله اعلم يا ابني .. الله اعلم..

حمل الشيخ نفسه وخرج ودخل الضابط المسعور ومعه اثنين من الجنود امرهم الضابط بضربه وحمله الى زنزانته. وكما ترمى الجثث الهامدة في الابادة الجماعية رمي في وسط الغرفة والكدمات  في انحاء جسده تعرقل حركته وهو يرتعش كالممسوس في الظلمات.

اغلق الباب بقوة.

وطارت كل الافكار.

وعم صوت رهيب وسط الظلام.

وتمتم بكلمات ” المخاوف لاتنتهي .. تبدأ بالظلام وتنتهي به!

وخرجت الروح وحلقت في السماء.

 

 

النهاية كحدث غير محتمل:-

توقف غالب عن سرد قصته ثم نظر الي نظرة يائسة وقال هذه الكلمات.

  • لا تجزع انها الاحلام تأتي متقطعة غير واضحة انها خيالات لأيام سابقة كنا قد عشنا من خلالها او عاشت هي من خلالنا ارجو ان لا تحزن وان لا تشعر بالوحدة. ان لا تبكي وتتألم وتحدث نهراً من دموعك يجب ان تعرف بأن الحياة نوع من اختلاط النماذج والاشياء لذا تصبح احيانا عديمة الجدوى.

وضع يده على راسه وكانه يشعر بالتعب من الكلمات لقد اطال الحديث هذا ما كنت اقوله في نفسي ولكنه استمر يهذي بالكلمات غير المفهومة ثم اكمل

  • قد نعي الحياة قد نعرفها من خلال طريق واحد انه طريق السماء فقط، والابتعاد عن هذا الطريق يحدث شرخاً في الحياة وهذا الشرخ قد يتمدد حتى تطل المصطلحات برأسها “العبث – الخطأ- والبحث عن نتيجة. قد تفكر الان باللاجدوى وتتعمق في التداخل الذي يكسو الحياة التي في القصة بشكل اكبر قد تحصل على التنافر بشكله البدائي وهذا التنافر هو المحدث للافكار.

 

استند على الجدار ورفع راسه الى السماء واغمض عينيه واخذ يلتقط الانفاس وبعد لحظات اطلق زفرة عميقة ثم قال .

  • ليس هنالك من نهاية محددة ان النهاية امر مؤرق.
  • ولكن ..

قطع كلماتي التي كنت اجترها من الداخل لانني لم اكن احمل سؤال محدد

  • ولكن ماذا! يجب ان تكون تصورك الخاص بك لكي يتوافق العالم مع نهايتك.
  • ولكنني بصدد قول شيء اخر مختلف.
  • وماهو؟
  • اشعر بفجوة عمية في راسي واشعر بان الاحلام غير صالحة للتنبؤ.. لما انت قلت كل هذا ولما انت تسجن نفسك وتموت هناك في النهاية!

خيم الصمت واطلق نظره في السماء واجاب

  • اشعر بانني مقيد كل يوم لذا وضعت نفسي هناك انك لا تستطيع ان تجزم بان أي انسان حر بالمعنى الكامل للكلمة فهناك من يعتقد بان الحرية هي المتعة او الانعتاق من العبودية كل عقل يختار الحرية بالدرجة التي يفهمها لذا اعتقد بان حريتي ليست هنا.
  • أي يمكن ان تكون؟
  • هذا هو السؤال الذي يشغلني!

اربت على كتفي وابتسم ثم اختفى مع غروب شمس ذاللك اليوم.

 

 

 

 

 

 

 

Posted in: حكاية

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s