الأعرابي

أعتقد بانها النهاية! نهاية الذين سيموتون ظمأً وهم يبتسمون في العراء وطهارة ارواحهم تتسابق الملائكة فرحا بها فرحا بعودتها الى موطنها, الوطن الحقيقي ترابه حقيقي وأناسه طيبون وأشجاره عامرة لا تنتهي ثمارها.. ونهاية من ضلوا يكافحون في الحياة حتى تناسوا انفسهم فتوقفوا يتحدثون فوجود انها مجرد حلم عميق لا ينتهي سوا بالسقوط السريع المفاجئ.. اما اولئك الذين ينتظرون تحقيق احلامهم فتلك قصة اخرى لاتنتهي.

كانوا مخمورين في الليل بحثا عن الابدية عن لحظات منتهية عن موت يسابق الحياة, اللحظة التي يدركون فيها وجودهم الفاني كانوا يتسابقون لملء كؤوسهم وكان ينظر اليهم ويقترب حتى انفجروا ضاحكين يقولون انك كسراب تتمايل امامنا, وهو يتجه نحوهم حتى وصل الى مجلسهم توقف امامهم وتوقف الضحك وتوقف العالم وتحدث سائلاً ” لما كل هذا؟”  واجابوا بلا تردد “نبحث عن سعادتنا في اخر قطرة في نهاية هذه الكأس” والقطرة كانت تزيد من تعاستهم وتزيد من نار اليأس في قلوبهم وتتفجر ارواحهم غبطة على الاحياء الذي كانوا يظهرون فيها بوجوه دافئة لاتتحرك.. في اخر القطرات تتشكل المعجزة وتولد الاسطورة  ولا تموت. يهذون بالكلمات وينصت لهم ثم يعود سائلاً ومشيرا بيده الى الغروب “في هذا الاتجاه الى اين سأصل؟” وهم يجيبون  “لا تذهب هناك زول الشبح لا يحب ان يزوره الغرباء! ” “ذاك ملعون هو بعينه المكان الذي سكنته اسطورة الصيف في اخر لقاء قبل ان يموت الاعرابي من العطش! ” اظهر إمائت رضا على وجهه ووجه سؤالا جديداً “وكيف هي الناس والحياة ان وصلت؟” واجابوا على مرتين قال احدهم”كن حذرا منهم انهم يظهرون العكس دائماً” ثم تبعه صمت وهمسات تتخاطر بها العيون ثم تحدث اكثرهم ريبة “الحياة رحلة شاقة لاتنتهي ونحن نهيم في الارض ونشعر بنار المعرفة تحرق جلودنا ولا نكل ولكننا نمرض ثم نعود ولا نحاول بعد المرض نشعر بالخوف هنا تعيش الاسطورة في القيد الذي وضعه المرض كن حيا بعقلك الحياة مزعجة من دون عقلك !” وضحك بصوت عالي حتى دمعت عيناه وأحس بانه كان يبكي ضاحكا.. الضاحك كان حكيما من بينهم يشرب بشكل مقزز وفي تلك الليلة شرب حتى سقط على وجهه وتبعه الاخرون, وضعوا رؤوسهم بعد ان  فقدو كل الطاقة التي كانت في اجسادهم واصبحت الرحلة فضيلة لأرواحهم المتعبة, الارواح التي لا تصعد الى السماء تقف عند رؤوسهم وتنظر اليهم ثم تبتعد الى اماكن لا يمكن ان يصلو اليها فتنقل لهم احاديثها مع الارواح الاخرى متشكلة في احلام او سواد دامس! ابتعد الأعرابي مخمورا والهواء ينقل اصوات انينهم في الصحراء وصوت احلام الحكيم الضاحك كان مزعجا “يا عقلي المسكين.. حياتي الضائعة.. أمي التي رحلت مبكرا.. وابي الذي كان يبتسم اين انت ايه العقل المزعج!”

الاعرابي الذي سلك الطريق لوحده مترنحاً في اخر الليل قبل ان ترتفع الشمس وتتوسط السماء انطلق بلا عودة الى المكان الذي حذروه منه كان يسير ساكنا بلا حديث انفاسه تخالط انفاس الصباح الاولى وتقطع طريقه حرارة شمس ذالك اليوم بعد ان اعلنت عن نفسها. وسط النهار تحت اللهب والعالم كان يغلي درجة غليانه تخطت الحاجز المعهود وهو لا يزال يزيد خطواته تحت وطأتها يعلو حاجبه ويرفع راسه ناظرا اليها يطلب منها ان لاتزيد من اقترابها الى الارض ولكنها تزداد قربا في عناد يقول “كانت تضحك صوتها يخترق قلبي وانا انظر اليها وعظامي تحركها رياح السموم متمثلة بجنودها حبات الرمل التي لا تكل من مهاجمتي, و اطراف ملابسي تتصبب عرقا يجف قبل ان يسقط” وكلما ازدادت سرعة خطواته ضحكت بصوت اعلى لم يكن يعرف اهو الحكيم وروحه التي ضاعت في الارض ولم تعد! ايموت الحكيم ويودع العالم قبل ان ينير هذا العالم بعقله! كان كالسراب يتمايل على نفسه ويبتعد عن  العالم. خيالات الموت تتجلى تهبط مشاهد جديدة يتخيل كل شيء بلون واحد واشخاص جدد  كانوا لا يرون بالعين المجردة.

الاعرابي الذي ظل ومات  كيف تناقل الناس هذه الاسطورة الم يمت وحيدا ولم يسعفه احد ولم يسمعه احد سقط وحيداً في العراء ومات ومن قدم اليه ذئاب جائعة جاءت من بعيد كانت تركض بحثا عن رائحة الجسد الذي لم يتحلل ولم ينقذه احد وتناقلوا القصة.. القصة التي ضلت ابديه وانهارت في الظلام.. قصة روح الحيكم الضائعة والاعرابي الذي تمايل كالسراب!

يحكى ان احدى القوافل التي اختارت مكان موته استراحة لها قبل سجود الشمس للغروب. اشعلوا نار ليلتهم واضائت المكان اخذوا يعدون قهوتهم ويتبادلون الاحلام وينظرون الى النجوم في نهاية مجلسهم الذي يطول فيه السكوت والابحار في سماء الله الواسعه باحلام صغيرة, زوجة صالحة, ابن شجاع, تجارة لن تبور, وعمل صالح لاينتهي, وحب دفن بعيدا في سرداب لا يباح بمكانه! وقت الاحلام كان طويلا والحياة كانت تسير ببطء احدهم أحس بالحاجة للمشي لملامسة احلامه التي يراها كل ليلة يخرج السر من بين ضلوعه الضيقة ويسير به فرحا بقصيدة حب يقولها في سره خوفا من ان يرسلها الهواء الى من ينظرون الى السماء فيزيد بخطواته لكي يرددها بصوت مسموع ويبكي على ابياته التي عجز عن جعلها مستقيمة موزونة أخبروه وأخبرهم قالوا” انت لا تعرف طريق الشعر” وقال” لقد ورثته اباً عن جد”  ابتعد بخطواته حتى صعد في مكان ينظر من خلاله الى السماء بشكل اقرب يخرج سره من بين اضلاعه وينظر اليه ويبتسم ولا يقول شيئا شهاب يسرق منه اللذة فيبحر في النجوم ويضع السر بجانبه عند راسه ويحكي له عن ترتيب النجوم “هذا الجدي وذيك التاليه نجم سهيل والي تلمع يسمونه نجم الملتهب و انتي الي نزلتي من السماء ما لك شبيه ” يتردد في الهواء صوت يخالط نسيم الليل يعبر مسامته المتفتحة ويحدث قشعريرة في جسمه الصوت يقول” أنا الذي كنت أتمايل مع السراب تحت وطأة لهيب الشمس والشمس كانت تضحك بصوت عالي! وهم كانوا مخمورين في الليلة السابقة وانا معهم كنت احاول ان اصعد الى النجوم وان اختفي ولكنني لم اصعد تبخرت وطار كل شيء” لم يصدق ماسمع ينظر الى يمينه ويساره ” اعوذ بالله منك يا ابليس” يجف حلقه ويفرز جسمه عرقا غزيراً ويعود فيستعيذ من الشيطان وهو ساكن في مكانه ويتردد الصوت مرة اخرى “كنت املك خيالا واسعا تشكل السراب وانا جزء منه كنت وحدي والشمس تضحك بصوت عالي وهذا الضحك هو من روح الحكيم التي ضلت في الارض ولن تعود الى قيام الساعة! كنت وحدي والشمس كانت تقترب اكثر رفعت حاجبي لكي لا يسقط كبريائي قبل الموت ولكنها كانت تزداد جنونا وانا اجر خطواتي اصبحت جزء من سراب الصحراء وكنت اعتقد بانني البدوي الاول الذي لن يظل هنا لوحده! شهيق وزفير ونبضات قلب سريعه وجسم مبتل بالعرق وبرودة في الطقس وهو يركض ويركض والكلمات تلاحقه وينسى ان يحمل السر بين اضلاعه يعود الى من كانوا معه ويوقضهم ” يا سراج يا عقاب المكان مسكون السراب.. السراب طلع واحد من اهل الارض والشمس يقول انه تضحك وهي روح هايمه!” يحاولون تهدئته وتذكيره بالله وهو يقف بينهم ويقول ” ابرجع من طريق ثاني منب مكمل معكم هالطريق” الاثنان ينظران اليه باستغراب ويقولان بصوت واحد “سمعنا الي سمعت دلنا عليه” ويتذكر السر الذي نسيه هناك ولم يدفنه في الارض ولم يعيده الى اضلاعه فيستقيم ظهره وينظر الى الارض ثم يرفع راسه ” اعوذ بالله منك يا ابليس.. الظاهر اني كنت احلم” يرد عقاب” من اصبح افلح”.

مسفر الذي قال انه رأى السراب وعرف حقيقة قصته وانه أعتقد في البداية انه من اهل الارض يعود الى النقطة التي انطلق منها الصوت في بواكير الصباح قبل طلوع الشمس من مشرقها وقبل ان ينتفض اهل الارض الى شؤنهم يعود بحثا عن سره ولا يجد له اثر فيهيم في نوبة من البكاء على الفقد فقد السر والكبرياء عند العودة, يبكي بصمت بكاء روحي وضلوع مفتوحة للنسيان ويقول بهمس ”  الصوت.. الصوت الي سرق من ضلوعي مخابير تكفى تجمل قبل ذرف الدموعي! ولا يعود الصوت يمسك بحفنة رمل ويضرب الارض ويعيد كلماته ” الصوت.. يالصوت الي سرق من ضلوعي مخابير تكفى تجمل قبل ذرف الدموعي! صمت مزعج لكل شيء والبيت تردد بصوت اعلى الهواء ساكن والفجر يدنو ويكسوه خيط جديد ليوم يمر ببط وحياة ستصبح اكثر صعوبة. يقبض حفنة رمل اخرى وبكلتا يديه يضرب الارض ويسقط باكيا ويسقط الدموع ويبكي ويهتز جسده وتتفتح يداه وتنسل حبات الرمل من بين أصابعه اليابسه ويعود الهواء فيحملها ويتحرك جزء من الحياة في العالم ويتردد الصوت عند من كانوا في الاسفل يترقبون عودته وهم كانوا يتهامسون بجنونه وهو يجر خطواته اليهم بحزن عميق خسارة سره وعقله.

حبات الرمل تضرب وجوههم ويستقبلونها باللثام وعيونهم مغلقة فينسل صوت رقيق بين هذه الحبات صوت الاعرابي والحكيم اللذان ضلا  وتشكلت اسطورة السراب والشمس الضاحكة واصبحت الاسطورتان حقيقة  ثم تحولاتا الى خرافة ثم الى لاشيء باستثناء انهما اعاد العقل الى صاحبه والسر الى اهله!

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s