وداع ناستينكا.

 

السماء صافية ونور القمر كان خفيفاً كظل والهواء كان يشكل ترنيمة شتوية هادئة، هناك في تلك المساحة من المدينة التقيا لقاؤهما المعتاد ولكنه كان مختلفاً كخريف، حزيناً كساحبة صيفية لم تمطر.

غضبها كان متمدداً تتكلم من دون وعي بكلماتها ”  اتعني بان كل ما اخبرتني به كان حلماً… ولادتي الجديدة وهروبي من حياتي البائسة وكل ما يطاردني في رأسي ؟” لم يتحدث كان ينظر الى الفضاء الشاسع وسماؤه  بنجومها المتلالئه وسحابتها الصغيرة التائه في هذا الفضاء، كان يستمع فقط وينظر الى كل الجمال المتشكل امامه. امسك بالقبضة الصدئه للسياج الحديدي وشد بعضديه عليه ” عزيزتي.. ” ثم توقف لم يكمل أراد لكلماته ان تتدفق شفافة كسماء تلك الليلة ” عزيزتي إن كل ذرة في تكويني تلتهب تحترق لهذه الكلمات وللحظات حياتي القادمة انني لا اعرف ما هي الحياة التي سأقبل عليها لذا وددت ان احرر رسالة واخبرك بكل ما يحمله قلبي من حب و سعادة وددت ان أريك كل هذا في رسالة مصاغة بطريقة أدبية محترفة ولكنني وجدت بانه ضعف مني ان تكون الرسالة هي الوداع!” والتف بجسمه اليها ونظر الى عينيها الداكنتان وهي ممتلئة بالدموع والرعب جراء ما يقول قاطعته” انك تودعني في هذه اللحظة.. انه وداع بارد اشعر ببرودة تعتصر روحي” واجهشت بالبكاء اقترب منها و وضع يديه على ركبتيها واكمل ” إنني لا اضمن لكِ شيئاً في هذه الحياة وأريد ان يكون ارتباطك بالرجل الذي اخبرتني بانه قد تقدم طالباً يدك للزواج الأسبوع الماضي انني يا عزيزتي اعاني في هذه اللحظة ولكنني اعرف بانه الرجل المناسب سيكون مسئولاً في هذا الارتباط المقدس مسئولية تامة اعدك بانك ستنسين هذه التجاعيد والكآبة التي احملها في قلبي ستصبحين اكثر قوة  اكثر حكمة روحك نعم روحك سوف تحلق عالياً، عزيزتي انني فيلسوف اريد ان اصبح فيلسوفاً والفلاسفة مجانين انهم كذالك هكذا أراد القدر لهم ان تصبح حياتهم بهذا الشكل الغريب انهم مجانين وانا سأصبح مجنوناً قريباً لذا” وشد بيديه على يديها وضمهما جميعاً ” دعينا نصبح ارواحاً تائه لم تتعرف الى نفسها ابداً تتوق الى الحياة الخالدة الى الحرية الروحية التي يحاول الانسان جاهداً الوصول اليها؛  كوني سعيدة في هذا العالم ارجوك اقبلي بالرجل انه المناسب ودعيني انطلق بحريتي!”

نظرة اليه باستغراب ثم اشاحت عنه بعينيها الى نبته صغيرة قد نمت بالصدفة في هذا المكان بين تجاعيد الأرض، اقتلعتها من مكانها وتأملتها للحظة وعادت لتضعها في مكانها مرة أخرى حاولت جاهده ولكنها لم تستطع لأنها قد قتلت جذورها الصغيرة وهي تتأمل ما بين يديها تحدثت ” انها لن تعود حية ستطير في الصباح او بعد قليل ستحلق في هذا الظلام لن تعرف انها ميته سوا في الصباح عندما تحرقها الشمس عندها ستدرك طبيعة العالم.”

  جرس المدينة يعلن عن نفسه ويدوي بصوتٍ عذب معلناً منتصف الليل يهب هواء عليل يطير بخصلات شعرها الناعم وهي تعيد النظر اليه بعد كلماتها الأخيرة  ابتسمت عيناه لها  سحبت يديها من بين يديه وراحت تركض كالمجنونة في الظلام حتى اختفت.

بعد ثلاث سنوات تصل رسالة الى صندوق بريد الحالم بالفلسفة الرجل المكتئب يتفحص الرسالة يضمها الى قلبه بعد ان شعر بلهيب الذكريات يخترق روحه الضائعه ويقرائها واقفاً.

إنني حية ولكن بروح منكسرة وفي هذه اللحظة بالتحديد اشعر بالخوف ارتجف لقد اعدت صياغة هذه الرسالة عدة مرات بكيت حتى تقطعت حبالي الصوتية وجفت انهار دموعي اه شبابي الضائع وتلك اللحظة التي انحسر بها كل شيء انني لم استطع ان اعود الى ذالك المكان اشعر بخيبة كبيرة انني أتألم.. أتألم بسب لانهائية هذا الحب الروحي التائه في هذا العالم اخبرني ايمكن للفلسفة شفاء كل هذا العذاب اتبكي من اجلي اتتحسر على عدم ازدواجيتك في هذه الحياة! لقد كان هناك رجل بملامح غريبة يستمر بالحاق بي حتى يرهقني الركض واسقط ويقف عند رأسي ضاحكاً، لقد كنت  اراه بشكل مستمر  يثير اشمئزازي وفي كل مرة عندما استيقظ خائفة مرتعشة من ضحكته المشوشة وشكله الغريب انه الان لم يعد يكترث لركضي انه ينظر الي فقط بلا ضحك بلا خوف بلا مشاعر، اعتقد بانه كان يخبرني بانني سأسقط فجأة ولن يسعفني احد.  زوجي الرجل الجديد النصيحة الخالدة لقد كنت على حق انه يحمل المسئولية على كتفيه وراسه ويحاول ان يجعلني سعيدة انه يذكرني بك بابتسامتك الساخرة ورعونتك وهوسك بجمال الحياة ولكنه لم يهتم بهذا الجمال الا لكي يشد انتباهي انه يشعر بان هناك خطأ ما.. احس في داخلي بانه يعرف كل شيء ويحاول ان يقلل من الكآبة التي تسكن روحي ولكنه لم يستطع لذا انه قد قرر الرحيل.

وانا في هذه اللحظة اشعر بالوحدة.. اشعر بالموت انهما يتسللان  الى روحي وانا استسلم لهما لذا وودت ان تعرف بانني لم استطيع ان أعيش في هذه الفوضى. اتذكر النبات؟ اللحظة الأخيرة في لقاؤنا انه انا لقد كنت اعرف منذ الوهلة الأولى شعرت بقشعريرة بجسمي ببرودة متمددة بأطرافي عبث تام. لذالك استسلمت للموت في اللحظة الأولى!

الى الفيلسوف الضائع.. ن.

الفيلسوف يبكي ويخرج راكضاً الى الشارع  ولكنه لا يستطع استعادة الماضي.

*ناستينكا هي شخصية مقتبسه من الليالي البيضاء لفيدور ديستويفسكي وهذا النص مستلهم من النص الأصلي(الكاتب).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s