محكمة تحت الارض..!

انا رجل غني وهذا شيء مريح بالنسبة لي فكل ما اريده تحت يدي تقريباً ولكنني غاضب وامارس هذا الغضب على كل شيء حتى انني وجدت نفسي في احد الأيام رافعاً صوتي على جذع النخلة الذي بدا لي وكانه يميل من تلقاء نفسه امرته بالعودة الى وضعه الطبيعي ولكنه لم يعد توقف في مكانه، الرياح حتى لم تعد تريد المرور من جانبه لم يعد لفسائله ذاك الصوت المزعج وهذا ما اراحني قليلاً!
انني متعالي وهذا التعالي نابع مما املك فانا تقريباً املك كل شيء و يالهذه الأشياء التي لا تنتهي اقفزها قفزا امارس معها لعبة اليانصيب فانا ان ربحتها وامتلكتها أصبحت قرة عين لي للحظة من حياتي وان خسرت شيئا قد وضعت عيني عليه فإنني العن كل شيء واضيعه في تلك اللحظة. استنفذت قواي باحثاً عن فقري، تلك الافة البائسة التي يهرب منها الجميع أصبحت في قصري امشي بخط واحد لا المس شيئا من تلك الجدران المليئة بالنقوش و اللوحات الزيتية المرسومة قبل الف عام من أناس لم يعرفوا ابداً راسي الى الأسفل وانا امشي ازيد في الخطوات واركل الهواء واردد اين فقري… اين فقري!
وصرخت فجاه بصوتي المبحوح اين فقري! ولكني لم اكن انتظر رداً من احد والصوت ارتد على مسمعي بشكل اخر انت فقرك!
لم استوعب الكلمة التي قيلت وكأنها لم تعجبني فرفعت صوتي والغضب يسبق كلماتي ماذا تقول ياصاحب الصوت؟
فتردد صوتي وعاد لي بكلمات أخرى انت فقر نفسك!
فلم اعد اقدر على الكلام وكأن احدهم قد وضع راسي على عتبة القصاص فخلعت ثوب الغضب ولبست ثوب الخوف وشعرت بدوران   الحياة بسرعة حتى رأيت بأنني سأموت في تلك اللحظة.

السقوط:
حدث من مرتفع عالي كنت أرى الوجوه امامي تتكرر وتتكرر حتى اردت ان اصبح ذرة لا ترى في تلك الزوبعة السقوط من البرج العاجي كنت أرى فيه وجوه الفلاسفة وهم غاضبون مني ويرهقونني بنظراتهم كنت متمنياً ان يتغير السلوك وان أوقف اللحظات وأقول لهم بانهم كانوا جزء مما انا فيه من الكبر والتعالي لقد وضعتم افكاركم في راسي وابيتم ان تخرجوها وهكذا استمر السقوط حتى وجدت نفسي امام باب كبير مزخرف بزخارف قديمة نٌقِّشة باليد وكانني امام باب انوخ احد الفراعنة المنسيين هذا الفرعون كان ضعيفاً حتى وجد نفسه بقوى سوداوية عظيمة.
فتح الباب وكان امامي قزم صغير نظر الي نظرة استهجان وأشار بيده إشارة غريبة لم افهمها حاولت النهوض واذا باثنين من خلفي يسحبونني من يداي وانا أحاول ان انظر اليهم وفي تلك اللحظة وضعوا على راسي قطعة قماشية لا يمكن ان انظر من خلالها بوضوح وفتحة صغيرة في وجهي اعتقد بانها للكلام لم اصرخ ولم اجزع ولم أحاول ان انبس بكلمة فقط استمع الى دقات قلبي واسمع أصوات الأبواب التي تفتح بشكل متتابع حتى توقفنا في قاعة كبيرة مفتوحة والجمهور كان متواجداً هناك جمهور كبير حاولت ان اتعرف الى الوجوه ولكنني لم استطيع كلهم ينظرون الي احدهم كان يدعوا واعتقد بانه كان ضعيفاً لان الصوت انقطع بسرعة والجميع كان يلعن ويصدر حكمه علي.
انا في المحكمة محكمة الحلم او هي محكمة تحت الأرض او انني ميت لا ادري انا محكوم علي ولكن لا اعلم ما السبب!؟
المطرقة الخشبية تضرب مثيلتها من الخشب وتصدر صوتاً الصوت يصمت الجميع حتى الانفاس تصمت والهواء يصمت أيضا نسيم خفيف فقط النسيم الذي يضرب الوجوه ويذكرهم بإنسانيتهم ذاك الشعور الغريب الغريب جداً الملامس للوجوه، الوجوه البائسة الباحثة عن كل شيء حتى قطعة القماش لم يكن بإمكانها ان تحجب عني الشعور فتذكرت سقوطي وغضبي وسؤالي عن الفقر والصوت الذي تردد علي واجابني بانني انا فقر نفسي فعلمت بان وجودي هنا لهذا السبب في خضم تلك الظروف والصمت الذي ساد المكان صرخت إمراة بعالي صوتها.
-ان هذا الرجل الملعون لا يعرف قيمة الأشياء لقد مات ابنائي جوعاً بسبب امثاله اصلبوا هذا الرجل انني أطالب بصلبه!
الجمهور تفاعل مع تلك الكلمات وقد كانت مريحة لهم وراحوا يهتفون بكل الكلمات القبيحة ويطالبون بصلبي وانا لم اجزع ولم أتكلم ولم اخف أيضا فقط وجدت على وجهي دمعة وحيدة سقطة من دون ان اشعر ولا ادري عن سببها فقد كان السقوط تلقائياً ومن عينٍ واحدة تلتها أخرى تذكرت طفولتي انسانيتي التي لم تعد موجودة الذكريات التي كنت الجمها بعيداً الجحيم الذي كنت اسكنه آن ذاك ابتسمت والابتسامة قد ظهرت من خلف القطعة القماشية التي كان تغطي وجهي. الجمهور قد رأى تلك الابتسامة فهلعوا يصيحون وتطاولت السنتهم بالصراخ والهلع وازدادت مطالبتهم بصلبي.
المطرقة الخشبية تفرض نفسها مرة أخرى وهذه المرة بلا صمت صوت اقدام قادمة والناس تتهامس وصوت الهمس يزيد في المكان ومع توقف صوت الاقدام توقف الهمس وقٌرع صوت جرس غريب.

المحاكمة:
سؤال يطرح من القاضي واعتقد بانه ينتظر مني الإجابة الصحيحة

– اشقي انت ام سعيد؟
استغرقت في التفكير.. هزني الحرس من يداي وكانهما ايقضاني من سباتي.
يتحدث القاضي مرة أخرى ويعيد السؤال:
– اشقي انت ام سعيد؟
– لا اعلم ايه المحترم ماهو الفرق بين هذان الضدان فان قلت بانني سعيد فانا اكذب ولا ادعي بذالك كفراً ولكنني اعلم في نفسي بانني انسان ناقص وان قلت أيضا بانني شقي فانا كافرٌ بما اوتيت من نعمة فانا اعتقد بانني بين الشقاء والسعادة!
– لايوجد في الحياة سوا طريقان الشقا والسعادة ولكنك لاتعلم كيف هذا اذا كنت تعيش في نعيم فانت سعيد اليس كذالك!
– ان تكون في القضا ليس ذالك دليلاً على ان تمتلك الإجابة لكل شيء فانا اعلم ما أقول انني بينهما وقد أكون اقرب للشقا ولكنني اعتقد بانك ترى الحياة انت والحاضرون من منظور مادي؟
– محاولة جيدة للهروب اذاً انت شقي.
– اعتقد ذالك!
– و هل انت مؤمن؟
– افكر في السؤال قبل الإجابة هل انا مؤمن وان كنت كذألك كيف يمكنني ان أقيم هذا الايمان ولكنني كنت شارداً بالذهن في تلك الكلمة العظيمة الايمان ومع هذا الشرود كان الناس بانتظار إجابة ولكنهم لم يكونوا ينتظروا أي إجابة فحكمهم كان نهائياً او انهم لا يطيقون صبراً فهم مستعجلون في كل شيء لا يريدون سوى حدثاً جديداً فقط والحكم السريع سيكفرون عنه بعد ان يتم تنفيذه!
في تلك اللحظات صوت احدهم صاح في المكان انه زنديق لا يؤمن بشيء ايه الناس انه يستحق ان يصلب وثار الناس لهذه الكلمات وكأنهم كانوا ينتظرون أحدا ان يتكلم بدلاً عنهم لكي لا يصابوا بالندم الذي يصيبهم بالجنون.
المطرقة مرة أخرى تصمت الجميع ويتحدث القاضي :
– اذاً انت لست مؤمن!
– أتخبرني بانني لو اجبت لن اصلب.. اعتقد بان الحكم نهائي ولكنني سأجيب لكي تستريح نفسي وقد كنت اعتقد بان وجودي هنا بسب فقري!
– نعم هذا هو السبب ان ايمانك ضعيف وهذه اعظم مصيبة والصلب قد يكون مكفراً لك!
– ولكن من انتم لكي تجردون ايماني تستطيعون ان تشاهدوا ما في القلوب أهذا ما يأمركم به ايمانكم انكم طغاة ولا تؤمنون بشيء، والايمان انه جزء الحياة الأكبر هبة السماء لأهل الأرض لكي تستمر الحياة على الأرض ويكون هناك سبب وجيه للنعيم الخالد.. ومع هذه الكلمات شعرت بانني اريد ان اقف تناسيت كل القيود الموجودة في راسي؛ الرجلان اللذان كانا يمسكان بي شعرت بانهم اطلقوا سراحي توقفت والدهشة اراها من خلف قطعة القماش في الوجوه حركة لا ارادية واكملت حديثي
ايه المؤمنون اهو الايمان ما يجعلكم تستخدمونه ضد أي احد اهو ستار لكل رذيلة في حياتكم اهو كلمات تردد فقط عند الحاجة ام انه شيء كامل لا ينتهي تريد المزيد منه كل مرة لا يشبعك ابداً كحياتكم البائسة واحكامكم الشيوعية التي لا تتصل بالإيمان ولا تعرف له شكلاً ولكنني لا اطعن في إيمان الجميع ولكنني اتحدث عما يريدوا فعله بعض المدعين للإيمان!

الصمت قد ساد المكان والناس لم يعرفوا ما عليهم فعله حتى القاضي واعوانه كانوا مستمرون في القاعة.. ولكنه لن يطول ولماذا قد يطول هذا الصمت والناس قد حكموا من قبل على صلبي ولكنهم منبهرون بالحقيقة وسرعان ما يتناسونها!

– تحدث القاضي اذاً انت تكفرنا جزء كبيراً منا والحكم الذي اصدر عليك لم يكن ظلماً فانت ستصلب في الغد وتعلق جثتك حتى تخفيها الطبيعة وتكون درساً للزنادقه اللاحقين!

يكمل القاضي حديثه:
– تبقى سؤال أخير اتخشى ان تموت؟
– اعتقد ايه القاضي بانه لا يخشى الموت الى من لا يعلم بما هو مقبل عليه ولكنني اشعر بانني وامثالي نستحق ان لا نخاف الموت فنحن اعلم بما سنرى!
– عظيم الأمور أصبحت واضحة أيها الناس سيترك الحكم لكم.

لم يتردد الناس في الحكم فكما اخبرتكم انهم كانوا ينتظرون شيئاً مشوقاً انهم يريدون ان يروا رجلاً مصلوباً ولا غرابة في ذالك.
الرسالة:
– هذه الورقة والقلم اكتب وصية لكي تكن موجودة في السجلات تاريخاً يشهد لك او عليك .
هذا ما اخبرني به رجل لا اعرفه وقد اعطاني قنينة  مملؤة بالماء وقد وضع بها جزء من مخدر لكي استطيع ان اتلافى جزء من العذاب في الغد .

وضعت في زنزانة رطبة ومكتومة  يموت فيها الانسان قبل ان يطبق عليه الحكم الصادر من الناس قبل القاضي، في الاعلى توجد فتحة لدخول الهواء وقد وضعها مهندس في التعذيب فهذا الشباك مطل على السماء وتسمع من خلاله صوت النسيم او انه يخيل لك هذا الصوت لا ادري ولكنني انزويت في الزاوية واعتقد ان من كانوا قبلي هنا كانوا في نفس الزاوية التي كنت فيها فهي تطل على السماء وصوت النسيم يعبر من خلالها فتشعر بالحياة تتغلل في روحك من تلقاء نفسها وتعطي للحياة الاذن بسلب روحك.
اعتقد الناس بان هذا الحكم سيخفف من وطأة الياس في قلوبهم وانه انا وامثالي من الأغنياء من سلب حريتهم التي يطالبون بها وانهم سيجدونها من خلال صلبي او شنقي لا يهم فانهم يعيشون على اطلال بعضهم.
انهم لا يعلمون بان الموت حرية وهو بداية لنهاية مشهودة فقد تكون بداية للخلود في فردوس جديد وعدد لا منتهي من القصور والملذات او قد يكون جحيماً لا ينتهي.
ايه الناس انني في السماء الان وقبل ان اخبركم بتلك التفاصيل سأخبركم بشيء غريب عندما علقت على تلك القطع من الخشب كنت انظر في الوجوه التي كانت بالأمس في المحكمة وقد كانت متحسرة على هذا الحكم السيدة التي طالبة بصلبي كانت تبكي وبكاؤها ندم على موتي وهي لا تدري بان موتي راحة لي ولكنها شعرت بالخسارة ورجل الدين الذي حدثني عن كمال فضيلته كان يدعوا لي ولا اعتقد بانه كان متحسراً بل شعر بان هذا جزء مما استحق والبقية كلهم لا يعلمون لما كانوا هناك، اعتقد انهم كانوا يبحثون عن شيء مختلف فقط.
الحقيقة:
ما هو المعنى الحقيقي للحياة وما الذي يؤدي له الصلب الا الموت بحقيقته الظاهرية انه عذاب الكل يراه عذاب لا يمكن ان يحلموا به فكيف ان يكون احدهم في قلب الحدث وهم الحدث المشاهد.
حقيقة لم اجد في الصلب سوآ لذة عجيبة فالناس لا يشعرون بأنفسهم في الحياة المتدين يرى بانه الوحيد الذي سيدخل في رحمة الرب والفقير لفقره يداوي نفسه بالسم فتخبره نفسه او شيطانه بانه فقير يمكنه ان يأخذ مما فضل الله به الأغنياء وهذا السم يتجرعه حتى يموت والكادح المستقيم في خلوته الراغب في شهواته أحيانا يحاكم ومن يحاكمه أناس قد تمنوا ان يصنعوا كم صنع ولكنهم لا يستطيعون ان يواجهوا به الناس فقد اعتادوا ان يروا انفسهم باستقامة كاملة لذالك في سراديب قلوبهم هناك الكثير من المفاجئات.
نهاية الحلم اكتملت عندي بعض الحقائق بعد ان أٌوقضت في حجرتي المطلة على المدينة لم أتكلم مع احد توقفت فقط وشرعت بالتأمل في الحياة التي تستمر في الأسفل وكأنني انظر الى واداً من النمل يسحق بعضه فأتأمل فيه وتكتمل المسيرة لا احد يعترف بشيء سوى ان يجد كلٌ منهم لقمة عيشة فقط وهذا الوادي الذي كنت اتخيله كان فيه الشرفاء ولكنهم يسكنون في اطراف المدينة او انهم من فصيلة الضعفاء يصلون في نهاية كل حدث ويقتسمون ماياخذونه مع من يحبون.
ولكنني تساءلت أيضا هل يمكن ان أكون بمثل هذا الصفا ان كنت معهم او انني سأنجرف واتناسى كل الفضائل التي تكلمت عنها وسأكون كرجل الدين والفقير واسب ذاك الكادح لإغتراره بفضيلته، او لأنني املك كل هذا أصبحت أرى الحياة من منظور اخر فانا مالك لكل شيء!

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s