عوليس!

أحلام الشتاء قد تصبح حقيقة !

.

.

قٌبيل نيسان بفترة رأيتٌ حلماً غريباً لا اذكر منه سوا غابة وفتاة في مقتبل العمر تنادي بصوتٍ عالي باسم رجل يوناني كان تآئهاً في بحار الارض وقد عاد إلى وطنه بعد الف عام او تزيد اسمه عوليس صوتٌ يناديني بهذا الاسم عوليس! وقد جرت العادة ان لا افكر كثيراً في احلامي وفي احد الليالي الباردة راودني الحلم مرة اخرى وقد كانت الفتاة تبكي امامي وهناك حاجز بيننا لايمكننا اجتيازه وكأن شيئاً تحرك في ذاتي واخذني للذهاب هناك الى البعيد حيث لايمكنني ان اذهب لوحدي!

.

.

منتصف الليل البارد *

.

.

حدثَّ في نيسان ان خرجت في ساعة متأخرة من الليل بعد ان  انتابني الشعور بضرورة لقاء الفتاة المجهولة،لم اكن اعرف المكان جيداً ولكنه قد تكرر في احلامي مرة بعد المرة خلال فترات متباعدة وقد كانت الفتاة  تطلب قدومي توشحت معطفي وخرجت في تلك الساعة متوجهاً الى الغابة،  لا يوجد احد في القرية الجميع نيام الا انا بذاتي التي لا اعرف عنها سوا انني اكنيها ب “أنا” الكلمة التي اخرجت الخناس من الجنة لم اكن خائفاً  وقد كان  ارتجافي جراء برودة الطقس؛ اسير على حافة الطريق بحثاً عن المكان اشارة توصلني اليه وكانني قد صرت صوفياً يبحث عن اشاراته لكي يكمل مشوار حياته وفي غمرة تلك الحالة قد سمعت صوتاً ينادي من الغابة (انني انتظرك من قبل ان يصل عوليس الى ضفة الجزيرة التي تاه عنها) سارعت الخطوة بعد الخطوة الصوت بدا يرتفع وانا ازيد من خطواتي وقد شرع الصوت  بالبكاء عندما اصبحت قريباً ولكنني لم اكد اراها انها كالسراب تتمايل وتبتعد كلما اقتربت احاول ان اجدها كالمجنون في تلك الظلمة وانادي بعالي الصوت (ايتها المجهولة ماذا اصابك! وماذا تريدين مني؟) ولكن لاجدوى صوتي يعود الي مرة بعد المرة بعد المرة  شعرت بانني في قلب حلم عميق ولكنه لم يكن سوا حقيقة عشتها او انها قد تكون مجموعة كبيرة من الاحلام المتضادة قد تداخلت فيما بينها وقد كنت الضحية بينها، فقدت الامل واردت الرجوع قبل ان تشرق الشمس ويستيقظ العائدون من موتهم ويرون العائد من الغابة فيتهامسون ويتغامزون ( قد اصبح هناك مجنون آخر في القرية!) خرجت من بين الاشجار العملاقة ونادت (عوليس!!) وسقطت على الارض وكانها قد انتظرت هذه اللحظة لتهدم فؤادي فقط، حملت قدماي اليها لاحملها واخبرها بانني اتيت متاخراً معتذراً ولكنني لم استطع  النفاذ الى عالمها فهناك حاجز بيننا  عندما اصبحنا متقابلين لم استطيع مخاطبتها ولا سماعها فصرخت صرخة من كل قلبي شعرت فيها بان العالم اجمع قد استيقظ من النوم وسقطت طريحاً ابكي منزوياً بنفسي؛ عاد الصوت هذه المره ولكنها عادت مغنية بالنهاوند لتخبرني عن حجم الحزن والرصد لتخلط الحزن بالفرح لي وكانها تخبرني بانه هذا اللقاء وحيد منتهي بهذه اللحظة التي اصبحت كل ما امكلك تملكني النعاس  و استيقظت وانا في فراشي والشمس امامي مقبلتاً جبيني واغصان الشجر المتسلق على شرفتي قد اتكات عليه جموع من الطيور تنشد الحزن في زقزقتها وتخبرني بانني كنت في حلم شتوي عميق!

وها انا اعود الى عزلتي ولا استطيع ان احصل على مرادي وان يتحقق حلمي الشتوي، كيف يمكنني ان اتخلص منه، وهل يمكن ان اطلقه الى انساناً آخر او الى عالماً آخر اكثر رحابة وفساحة مما انا فيه الان!

آه ياصاحبي انني في عالمٍ موازي والجدار هو الحاجز بيننا فلا احد يستطيع ان يتخطاه انني اخبرك بأنين قلبي “الأخضر” نعم انه اخضر ولم يكن ابداً باللون الاحمر فهو مشرق متلالا  في الصباح ويتبدل في المساء فيصبح كالغابة  مليئة بالاشباح والسوداوية ولا يمكن ان يدخلها الا من يعشق المخاطرة ويكون على استعداد للموت؟

ولكن هل تعتقد ياصاحبي بان هناك من يريد ان يموت وان يكون في قلب الغابة في الظلمة؟ الظلمة الدامسة ياصاحبي مع حركة الاشجار التي تنتظم مع النسيم فتحدث ضجيجاً مزعجاً منفراً انها تطلب من الغرباء الخروج والابتعاد قبل فوات الاوان لذالك هي تطيل بالصراخ ملحة بالخروج منها!

ياصاحبي كيف لي ان احكي لك بكل هذا البرود وانا وانت قد وضعنا كفوفنا فوق بعضها وتعهدنا بان لاتفرقنا الحياة والان اين انا واين انت.

كل شيء اختلف انت وانا ولكن الحياة ثابتةٌ بكل معطياتها انا وانت قد تكررنا فيها عشرات المرات باسماء والوان واحجام مختلفة ولكن الارض مستديرة حركتها ثابته شمسها وقمرها واحد ولكنني قد وجدت فيها اختلافاً انها التضاريس والحدود فقط .. ياصاحبي دعك مني ودعني منك فهناك شيء اكبر … اكبر بكثير مما كنا نعتقده، اجزم باننا قد اتفقنا عليه مسبقاً!

ياصاحبي دعك من خزعبلاتنا ومواثيقنا التي اتفقنا عليها انني اموت ببطئ شديد لذالك دعني اخبرك بما في جعبتي من كلمات لقد وجدت اميرتي في قلب احد القلاع التي اخبرتك عنها وقد ابصرتني بعينيها اللوزيتان وخصلات شعرها المنسدلة على اكتافها ووجنتيها الورديتان وشفتاها الممتلئة بالخمر العذب ترتجفان من شدة برودة الطقس  ابتسمت وقد تعرفت على روحي المنكسرة لم تنبس بكلمة؛ ولكنها قد اشارت لي بالقدوم بالحاح لكي يتعانق قلبينا ونسمو في العالم الاخر وتشفى ارواحنا من سقمها لا.. لا.. لم يكن اللقاء الا كالقاء الفراشة بالربيع عندما تخرج من بيتها القطني فرحاً برؤية الشمس والمرور بوردة  الياسمين وتقبيلها على جبينها والسهر للقاء الذي قد طال ولم ياتي الا بعد عذاب طويل  لا.. لا.. لا.. ليس ذالك ماحصل انما الفراشة تموت بعد ان يحين الشتاء او قبل قدوم الشتاء بكثير فليس هنالك سهر طويل انما فقط عتمة لايسبقها نور ان ماحصل ياصاحبي هو حلم قصير كنت احلم به ولم يكن هنالك سوا فتاة عادية استولت على قلبي في احد صباحاتي السعيدة و لم تلحظني قط  فشعرت بانني بخار ماء وتطايرت مع كتلة الهواء الضخمة!

ايه الصاحب العزيز انني بصدد ان اخبرك بموت الشي الكبير الذي يسكنني وهذا الكبير ليس سوا مجموع مختلط من التعاسة والكأبة والسرور والقليل من مشاعري المتبقية الاميرة قد تأخرت بالقدوم باكراً لذالك لم تلحظ الفارس .. والفارس قرر الرحيل!

ولكن.. ولكن.. مابالك انت بتلك الحكاية فهي ليست سوا قصة حزينة من عجوز حالم قد كان صاحباً بالأمس يحكيها لك لكي يقنع نفسه بانه امامه الكثير في هذه الحياة وقد وجدت بان لا شيءاكثر اقناع لي سوا الموت فلم ترق لي الفكرة بعد هناك شيء مهيب في الموت واني اعلم في قرارة نفسي بانه البداية الحقيقة ولكنني لا استطيع الفكاك من هذه الحياة لذالك نفسي عطفت علي واخبرتني بان اكتب رسالة من قلبي واخبرك بما حصل ولا ادري هل اصبحت مجنوناً ام انه الشيب الذي ملئ راسي، فوجدتك أمامي وحدك من جموع الناس الذين عرفتهم اكتب لك ولا ادري لماذا هل هو حنينٌ الى الماضي ام انه شعور بالذنب للتقصير في حقك قبل ان انتقل الى العالم الاخر انني لا ادري.

الشعر الابيض يملؤ راسي وجسمي اجمع لقد اعتقدت بان اللون الاسود سيطيل الموكث في حياتي ولكنه قد تبدل الى لوناً اخر وقد راق لي في بداية الامر ولكنني اراه الان واشعر بشيء من الغرابة لا اعرف له اسماً؛ وهناك الكثير قد اخلتف ولكن قد شدتني عيناي لقد اصبح اللون العسلي الداكن كثيفاً غزيراً ممتلاً بالماء ولكنني لا ابكي كثيراً ولا ادري كيف اصبحت مختلفاً بهذه السرعة وكاننا بالامس قد كنا سوياً واليوم هناك حواجز تفصلنا والورقة هي المفتاح بيننا … اخبرني أهذا ماتفعله السنين؟

اعلم بانك كنت مستاءً لانني لم اخبرك بالكثير عن غربتي وقد كنتَّ مصراً لسماعي ولكنني لم استجب وهاك ماعندي،  انها المشاعر التي لاتوصف ولا يمكنني ان اختزلها ماحييت وكانني قد احاول واصفاً لك رجل الكهف بعد ان راى لهيب النار لاول مرة لم يكد يغمض جفنيه من الخوف من الخروج من الظلام حتى كاد ان يموت جوعاً ولكنه لم يمت بقي في الحياة اكثر مما توقع وقد اصبحت النار جزءاً منه ولكنه قد لعنها كثيراً في بداية الامر لقد كانت كرجل الكهف مع النار!

اتعلم ياصاحبي اننا نسير في اتجاه اللانهاية وفراقنا في هذا المكان هو فراق نسبي لايعني شيئاً؛ لذالك القاك في الجهة الاخرى.

 

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s