خيالات نجدية

كانوا غارقين في تلاوة صلاوتهم لطيلة شهر كامل، المطر انقطع بشكل مفاجئ ولم يأتي بشكله الذي اعتادوا عليه وشرعوا باحثين عن مسببات ولكنها قد اعميت ابصارهم كانوا يقومون بها من دون علم الجميع على حد قولهم

– الي قطعوا عنا بركة السماء مايستسقون معنا!
وكانهم أعطوا بذالك انفسهم صلاحية وحدتهم بالقرب من الله وقد فعلوا ذلك ولكن في المرة الثالثة لهم ظهر واحدٌ من اكبر العصاة على حد زعمهم!
سقوط المطر:
النساء يترقبن من بعيد ينظرن الى ظلال الرجال، وقرع اقدام الرجال يضرب الأرض ويتوقف بشكل مفاجئ، كل الوجوه متسمرة تنظر الى الأعلى الشوق يعتلي قلوبهم ينتظرون  معجزة المطر للأرض الجدباء ويرددون بعالي أصواتهم ايه العالي لقد اتعبتنا الحياة اصبحنا فارغين بسب ذوبنا ومعاصينا ايه العالي الرحيم كنا رحيماً بنا.

تتوقف الأصوات عن الدعاء وصوت البكاء والانين يملؤ المكان طفل صغير يشد امه امي ويتحدث :
– يمه وش فيك تصيحين..
ويشدها من عبائتها السوداء ويكرر:
– يمه وش فيك موب انتي تقولين ان الله يحبنا؟
تنحني اليه وتبتسم:
– هذي دموع الرجاء وانا امك!

المطر … والأرض الجدباء القاحلة.. والناس الذي يعملون بكد للقمة العيش كلهم مترقبون خائفون في تلك الساعة الأرض تنتظر المطر بفارغ الصبر وبركة السماء لمحصولها والمطر يسعد من في الأرض واحياءً لها والخالق العظيم هو الامر لمخلوقاته.
كانت السماء صافية وجميع من في الديرة تقريباً خارجون للترقب بعد ان انهوا صلاة الرجاء والاستسقاء من رب السماء، كانت وجوههم مسودة الخوف كان يعتليها ذنوبهم أصبحت على مراء منهم وكأنهم يلامسونها يبعثرونها في تلك المساحة الجدباء القاحلة، اصبح كل منهم محاسباً لنفسه ويدعون في صدورهم وقلوبهم تنبض بشدة والعرق يتصبب من أعالي رؤوسهم وانفاسهم متقطعة.
اثنان كانا متخلفين بسام ومجنون الديره،  تكلم المجنون وهو يركض ولعابه يتطاير من بين شفتيه ويلهث بالكلمات
– بسام بيجي مطر.. بيجي مطر( ويكرر حديثه ضاحكاً بعد كل مرة)!

نظر اليه  بسام نظرة استياء ممزوجة بحزن واكملوا الطريق حتى وصلوا الى المكان الذي يجتمع فيه اهل القرية للانتظار.

صوت كبيرهم يعلوا في الماكن يصعد فوق الصخرة ويحدث من كانوا ينتظرون.
– ياخلق الله ارجعوا لربكم واتقوه ..الخير بيجي  ولكن لا جاكم الخير بترجعون تعصون خالقكم ولا بتتوبون!

توقف عن الحديث ونظر في الوجوه قليلاً لم تكن كلماته مؤثرة وشعر بذالك تهيأ للنزول من الصخرة وهو يقول ربي انني استمد كل شيء منك امطرنا برحمتك.
ظهر من بين الجميع المتخلفان بسام والمجنون تقدم بسام وتخطئ الجموع والناس تتهامس لقد ظهر العاصي؛ امثال هذا هم من حرمنا الخير بسببهم!
غرائز الانسان تظهر عندما يشعر بان أحدا سيستولي على مكانته بشكل او باخر سيتناسى كل شيء المهم هو ان يكون على حق وان يكون متمسكاً بالفضائل التي تاتي خيرات السماء بسبه هو فقط!

– وش جابك يالخبل  للمكان الطاهر ذا، هذا مكان محرم عليك!
– جاين اطلب الله الخير.
– ماقطعنا من خير الله الا انت واشكالك وهالمكان يتعذرك، وش بتقول لربك اذا قابلته بتطلبه باي عمل صالح؟
– بقوله  انا العاصي واني نادم والندم توبة.
شعر الشيخ بالخساره وصدع من صدوع الثقة قد اصبح واضحاً.. لذالك توقف عن حديثه وراح يدعو:
– يالله ان كان فينا احد حرمنا الخير بسبته يالله انك تعجل بطلعته من عندنا وتنزل علينا الخير والبركة بطلعته، وان كنا حرمنا  بسبب اننا كلنا مذنبين فانزل علينا الخير والبركة وارحمنا برحمتك.. امين.
الانتظار.. انتظار الإجابة… السماء الصافية تتحول الى لون داكن الوجوه أصبحت اكثر خوفاً، الرجوع الى البيوت او الوقوف في هذا المكان العاري وسط الصحراء القاحلة.. السماء.. الرعد.. البرق.. كلها أصبحت تحت سقف واحد وبعالي الصوت من بسام.
– راح يكون سيل مامر عليكم مثله!

صوت الاقدام يعود مرة أخرى مع زخات المطر والناس مستبشرة ممتلئة بالسعادة السماء والناس كلهم يسقطون دموعهم من الفرح والاقدام تسابق كل شيء.
الفضائل:
تقول القصة الإسرائيلية بان هاروت وماروت بعد ان اغتروا بفضائلهم التي منحها إياهم الله ولم تكن لهم إرادة بذألك  وكانوا ينظرون الى الانسان نظرة المخطئ العاصي الذي لا يمل من شهواته وملذاته فقال الله لهما ( اهبطا الأرض واختبرا نقاءكما و إرادتكما فيها) وفي اول ليلة لهما بالصورة البشرية مرا بإمراة ذات جمال يخلب الالباب حتى ان الناس كانوا يسمونها المتألقة حتى تناسوا طبيعتهم الملائكية واصبحوا برغبات البشر فذهبوا اليها يقولان اشتهيك فاستجيبي، فقالت لهما حرروني من الرجل الذي يمكلني واصبح لكما فذهبا الى من يملكها وقتلاه ووقعوا عليها.
وفي اول ليلة لهما ارتكبوا كبيرتان القتل والزنا.
فرفع الله  المتألقة الى السماء نجمة سابحة في الفضاء تذكيراً بعدم التكبر وان الفضيلة هبة من الله ليست بإرادتنا!
هناك كان يستريح بسام من تعب الحياة  بعد ان باع بيت ابيه الى تاجر من خارج الديره كان قد اتفق معه بسام سابقاً. ينظر  الى السماء بعد غروب شمس اليوم العاشر من نزول المطر  ويحاكي نجوم الليل بأغنياته العتية النجدية.
السماء  وبركة الماء القريبة منه والطبيعة مأسورة كلها بتلك الابيات اعتادت ان تسمعها من النجدي بعد اتخاذه لقرار السفر واهل القرية لم يعلموا بعد قيمة رجل كهذا.
قبل الحادثة وبعدها بسام لديه عادة ان يسير في طرقات الديره ليلاً يدعي نفسه بحارس الليل يعرف اخبار البيوت جميعها صادقها وكاذبها صاحب الفضيلة والمنافق صاحب الأقنعة  كلهم يعرفهم من خطواته المتأخرة ليلاً كان سابقاً يهاب هذا الليل الموحش ويتصدى لتلك المخاوف بأغنياته الحزينة كما كان يخبره اباه.
– وانا ابوك لاضاق صدرك غن.. غن ياولدي مثل راعي الشمال!
وهذا ماكان يفعله اتباعاً لوصيته وبعد حادثة المطر مر من البيوت كعادته احد البيوت في اول الحي كانوا يتحدثون بصوت مسموع
الزوجة تقول:
– بسام الله مبارك فيه اظهر الله حقه قدام الجميع والحين انتم تتكلمون عنه بالشينة والله وقظت الرجال !
– يابنت الحلال وانتي مصدقه الحين الشيخ والمطاوعه كلهم طالعين يطلبون الله وهذا الخبل  كان قاعدن يسربت بالديرة وصار هو صاحب الفضل والله ماضنتي أقول لاتفتحين هالموضوع ثاني مرة! تسمعين؟

تجرع بسام الكلمات كالسم وراح متوقفاً في احد الازقة مشعلاً سيجارته الأولى وينفث الهواء بقوة ويغني بصوتٍ رشيق خافت

ياسهيل غض البصر لا ضاقت بي الحال

ترى عيوني من دموعي مغاريق!
يضع السجارة تحت قدمة يصدر صوت انين من شعيباته الهوائية يضرب بيده على صدره ويسعل .. يضع خطواته على الطريق من جديد يستمع الى أصوات فتيان هاربان يمارسان عادت التدخين ويتهامسان:
– معك الكبريت ؟
– ايه معي  طلع الزقاره بسرعه لا احد يشوفنا بهاليل !
– يالله يالله.
– اصبر.. اصبر.. تقل فيه احد جاي يضع مقدمة راسه على الطريق ويرا بسام قادم بخطاه السريعه ويقول لزميله
– جانا الخبل …
ويهربان الى منزليهما، نظرة ازدراء من بسام لهؤلاء الصغار ويحاكي نفسه بانه قد سئم من هذه الحياة وانه مغادر لا محالة في الوقت المناسب؛ يكمل سيره يمر من البيوت واحد بعد اخر وفي المنتصف يسمع في بيت الشيخ
– ياجماعة الخير غير معقول ان بسام هو سبب المطر هذا الخبل هو الي يجب الخير!
– الله قادر على كل شيء
– أقول انت لاتتكلم هذا الخبل لا يحسبونه عيالنا قدوة لهم نبي نطرده من الديرة ؟
موافقة الجميع ايه بالله صدقت ياشيخ
– بس وش الطريقة الي نبي نطرده فيها من عندنا!
– بجيب لكم راسه لاتخافون!
– والله انكم ماتخافون الله الحين بسام تسوون فيه هالسواة تراكم ظالمينه! و ترا ابوه له فضل كبير علينا! والحين تبون تطردونه!
– ابوه بالقبر الحين والولد مختلف عن ابوه!
– بعدين تعال وش قدم ابوه للديره وللناس؟
– ماخلا لكم شيء ماقدمه الضيف يكرمه، لاتشاورنا ماناخذ الا شوره رجل حكيم والحين تقولون وش قدم والله انكم ناكرين العشره.
المجلس كله صمت في تلك اللحظة والرجل الذي تكلم قال حقاً الوجوه أصبحت مفكرة تحاول ان تجد مخرجاً يتكلم احد المنافقين المخادعين
– ابوه الله يرحمه اما هذا سود وجيهنا ولا ياجماعة نسيتوا وش سوا!
وعادوا الى ماكنوا اليه من حديث الى قبيل فجر ذالك اليوم!
من هو بسام:
ثلاثين العمر طويل الشعر مقطب الحاجبين وجنتاه بارزتان وحاد النظرات طوله معتدل نسبياً كثيف شعر الذقن ويعد حليقاً  يدخن بشراهة غريبة، توفيت والدته قبل سنة من حادثة المطر، و والده توفي وهو في العشرين من عمره من عائلة فقيرة تكد وتعمل لتحصل على لقمة العيش.
المشاكل ليست من اختصاصه يرى بان الحياة تجربة عظيمة ، كان يرسم النجوم ويشعر بانها قريبة منه تستمع اليه اخبر والدته ذات مرة بان النجوم تحاكيه أحيانا ضحكة والدته بصوتها الدافئ وقالت له  وانا امك لاتعلم احد !
واخبره والده ذات مرة بانه سيصبح شيئا عظيماً في  هذا العالم والده كان كثير السفر الى الكويت يعمل في تلك المنطقة وكان يخبره بانه ذات يوم سيصبح من أصحاب الشأن في البلاد وكانت كلماته لا تتغير
– وانا ابوك لازم تسافر بالوقت المناسب هالديرة منتب شايف منه الا الفقر ويبتسم بعد ان يخبره عن الفقر !
وضع له والده ارثاً عظيماً مجموعة كبيرة من الكتب، الكتب التي لم يكن يلقي لها بالاً من قبل كان ينظر اليها دائماً بازدراء وتحاكيه نفسه:
– كيف له ان يضع الكتب فقط .. هذه الكتب لا تساوي شيئاً انها مجموعة من الورق فقط هنا الشيء المحسوب فقط هو المال ولم يضع شيئاً من المال!
ولكنه ذات مرة فتح واحداً من الكتب.. قصة قصيرة بعنوان ( الغش عند البدو )
بقلم كاتب يدعى المنافق..
تقول القصة:
كان متعباً جداً، السفر جعله مثل كلبٍ مسعور فقد لذة لعابه الذي اعتاد عليه وجد امامه مضارب لاناس لايعرفهم ولا يدري كيف وصل اليهم ولكنه قدرهٌ الذي اوصله الى هذا المكان، الخيمة كانت كبيرة وفيها امرأة وبينها ثلاثة أطفال وكانت تضع امامها قدر كبير والنار عاليه جداً وكانت كلما شعرت بانها ضعفة تزيد فيها الحطب وتمسك بالصولجان وتحرك داخل القدر، التهبت مشاعر الكلب المسعور سال لعابه بعد ان كان جافاً لا يستطيع ان يحركه في فمه تحرك اليها مسرعاً واذا بها ترحب به وتشير اليه ان لايوقض صغارها ولكن احدهم قد استيقض وقال لها:
– امي انني جائع متى تنتهين من تحضير العشاء!
– لا عليك يابني بمجرد ان انتهي سأوقظك!
نظر اليها الكلب المسعور وقال:
– لماذا لا تطعميهم؟ ماذا تضعين في هذا القدر؟
– انظر اليه انه ملئ بالأحجار وقليل من الماء  وليس عندي ما اطعم صغاري ولكنني اثرت الكذب على الحقيقة لأنني احبهم وغداً صباحاً سياتي رزقهم.
– نظر اليها مستغرباً وراح ينام في العراء بعد ان ربط على بطنه حجراً كبيراً!
الحياة مجموعة كبيرة من التناقضات الغش فيها وسيلة نتخذها أحيانا لجلب نوعٍ من أنواع السعادة قد نستخدمها يوماً وننبذها من احدٍ اخر عندما نراه يستخدم تلك الحيلة ولكن هذا جزء من الحياة.
ذهب بسام بعد مدة الى قبر ابيه ومعه كتاب المنافق ويقول:
– كنت تدري ان الحياة كذبة، وان الكتب هي الي تكشفها!
لقب (الخبل):
اشعث اغبر تائهاً في الصحراء لثلاثة أسابيع عائداً بعدد هائل من الحطب يحمله على ظهره حالته العامة تقول بانه عاد مجنوناً!
لم يعتد اهل الديره ان يروه بهذه الحالة المماثلة توفيت امه وكان في العمل في اليوم التالي ولكنه لم يتكلم لشهر كامل ولكن ان يتغيب  هكذا فهذا حدث مريب!
والفضول يملؤ فراغات الانسان وبما ان اهل الديره ليس لديهم اعمال مهمة والبعض منهم يستلذ بالبحث عن اخبار الناس اقترح احد هؤلاء ان يكسر باب بيته ليعرفوا ان كان حياً ام ميتاً وقد وافقوا على هذا الرأي؛ وبعد ان دخلو الى بيته وجدوا ان لديه عدداً كبيراً من الأشرطة الغنائية والة للعود وأيضا مجموعة من الورق المسطرة بكلمات فاجرة على حد قولهم وهذه الكلمات كلها كانت رسائل لفتاة تدعى(سلمى) ابنت التاجر الكويتي الذي يأتي كل فترة للديرة يبيع ويشتري.
اتفقوا على هدم هذي المستعمرة من المعاصي ودعوا الله ان يكون ميتاً ولا يعود ولكنه قد عاد بعد عشرة أيام من الحدث وقابل في دخوله مجنون الديره وكان يرجوا بسام ان لا يدخلها خوفاً من فقدانه
– بسام تكفى لاتروح لهم تراهم بيذبحونك!
ولكنه لم يكترث لامره وصل الى بيته و اذا به يجد الباب مكسوراً ومكتوباً على الجدار ( بيت الخبل) واذا به يذهب سريعاً الى بيت الشيخ فيجدهم مجتمعين هناك ومقتنياته عندهم. ويكلم الشيخ :
– وش الي سويته!
– سود الله وجهك الحين بيتك ماليه بالمعاصي والأمور الي تغضب رب العالمين!
واذا بالشيخ ينادي احد الصبيه العاملين عنده ويقول
– جب الأغراض وكسروهن قدامه
– من الي عطاكم الحق تدخلون بيتي وتاخذون أغراضي وبتكسرونهن بعد!
– بغيابك كنا ندور عليك نحسب الله اخذ امانتك ولكن دخلتنا لبيتك كانت خير لنا لقينا الي مسبب لنا قلة الخير وتمنينا انك مارجعت، لكن الله مبتلينا بك!
– وباي حق تنتهكون حرمة البيت الي انا فيه لو انا ميت كان ريحتي طلعت من البيت.
– الحين مالك كلمة علينا وبعدين تعال لا تحسب اننا نسينا بنت الناس الي كتابن فيها غزل وشي مايعلم فيه الا الله .. انت ماتستحي الرجال مستامنا والحين تسوي هالسواة!
– انت كلكم تدرون ان البنت عمرها تسع سنين ولا ماتدرون؟
– البنت عرض والعمر ماله علاقة!
– ياجامعة الخير انت تدرون وش قاعدين تسوون والله العظيم انكم منتب صاحين البنت بزر تعرقون وشلون بزر؟
– تغلط علينا يالخسيس بعد الظاهر انك صدق انهبلت لكن الشره علينا الي نكلمك وتراك من هاللحظة اعتبر نفسك مثل الخبل الي انت تماشيه كلكم واحد!

لم يستطيع بسام إكمال الحديث مع كبار اهل الديره فراح عائداً الى بيته مكسوراً وكأن الرؤيا أصبحت اكثر وضوحاً من الامس واليوم اصبح اكثر صعوبة من قبل وما الحياة الا صعوبات مجتمعة مركبة على بعضها تاخذنا من اسفل الى اعلى ..حتى نفقدها كلمح البصر.
طريق السفر :

النجدي سابقاً رحلته تستمر لأيام واسابيع شاقة يتخللها الجوع والعطش والموت قد يكون بانتظارهم، طبيعة الرحلة تغيرت مع تقدم السنوات والدخول في ثورة الصناعة والتقدم والبحث عن هوية الانسان الجديدة.
الطبيعة لهذه الحياة متغيرة مع تقدم الأيام تخبئ في جعبتها الكثير السفر كان له أصول ومبررات وباختلاف تلك الأصول اختلفت طبيعة هذه الرحلة.
صامتان في اول ساعات الرحلة الطويلة بعد ان استقل بسام السيارة مع الملقب بالرحال تجاوز صمتهما فقط تحية السلام في اول الرحلة قبل طلوع شمس ذالك اليوم وقبل انشقاق عروق الفجر بإعلان الحياة الجديدة لبسام.
ينظر بسام من شرفة السيارة بعد طلوع الشمس الى تلك الرمال الذهبية ويقحم نفسه بالتفكير بتلك الأيام يبعثرها امامه يحاول ان يجد جاهداً مخرجاً لأهل القرية بكرههم له ومامدى صحة تلك الاقاويل والممارسات التي كانوا مؤمنين بها.
صدقاً ان يبقى الانسان مبعثراً لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء مكرهاً نفسه على عيش الحياة التي لا تنتمي اليه.
بسام ينتمي الى السهول والابار الى الجبال التي تسكن في منتصف الرمال الذهبية الى بركات السماء التي تأتي بصعوبة بالغة، الى العمل الشاق والاجر القليل مقابل تلك المشقة.
الطريق الاسفلتي والسيارة يمتزجان مع بعضهما لإصدار صوت مزعج يعكر صفو الأفكار يغمض جفنيه بسام محاولاً ان يتفادى الصوت المزعج ويتذكر القرية التي احبها والوداع الذي لم يكن له خيار فيه.
يكسر الرحال صمت الطريق ويصدر حشرجة في صوته يخرج لفافة تبغ من علبة السجائر ويتحدث
– هذا الطريق يابسام بيني وبينه عشرة عمر احس ان كل شيء فيه يعرفني واعرفه عز المعرفة تصدق ما اتخيل اني أعيش من دون ما امر فيه كل فترة.
– رحال ما يحتاج شباب الديرة كلهم يحلمون باليوم الي يروحون فيه معك يتمنون السفر.
– الطلعه مزعلتك؟
– ما كنت أتوقع ان الوداع راح يكون صعب!
– هون عليك يابسام بكرا كل شيء بيزين وسالفة المطر ماراح ينسونها اهل الديرة كلهم!
– بينسون صاحبها!
– انت أساس القصة
– اهل الديرة ماخلوا فيني شيء ماقالوه وصلت الى الخبل كان ودي اننا نكون اكثر وعي ونتماشى مع الوقت مانخليه يعبرنا وكاننا نقول زي الي قالوا قبلنا انترك مايعبد اباؤنا واجدادنا!
تغيرت ملامح رحال كلمات جديدة تمر امام عقله رياح جديده تهب على مقدمة راسه التف براسه وقال بحذر
– مافهمت عليك وش تقصد؟
– الفكرة الي عندي ماوصلت لاحد مادري الخطأ فيني ولا فيها شف تاريخ الي قبلنا ناظر كيف كانت عندهم العبادة والتقدم متوازيات مايتقاطعن ، الله يامرنا بتعمير الأرض وانها تكون مكان صالح للعيش لجميع الأجيال ومختلف الثقافات.. طلعتي من الديرة لا تعتقد انها من غير رجعه برجع بس بعد مايكون فيه وعي وتموت الأفكار القديمة او جزء منها وارض الله واسعه بروح وبرجع اقوى من قبل!
رحال اصبح مشدوها اصبح متمتماً وكانه قد صبْ على راسه ماء بارد وضاقت بها الأرض الواسعة اختلف الشارع الذي يعرفه والرمال التي تتحرك في الطريق وتتموج في الاسفلت أصبحت ثابتة في مكانها ساعة صمت والليل يعبر عن نفسه بالظهور والشمس تودع اليوم بقبلة على الجبين.
بسام يشعل سيجارته بعد ان ظهرت العروق الفاصلة بين اليل والنهار واستقر نور القمر في قلب السماء وراح يعاود غزل الخيوط بين النجوم يعيد تركيبها من جديد وكانه فنان من أصول يونانية يحيك الاحلام في رحلته الجديدة؛  لم يعهد الخروج من الديرة، رحلته هذه المرة شاقة وكأنها رحلة حاج لا يدري هل ستكون العودة قريبة ام سيكون الموت هو المعلن عن نفسه.
اعلن رحال عن نفسه فكر بأسئلته رتبها ووضعها في قالبه القديم وتسال بارتباك
– بسام انت مؤمن بالله ولا مثل ما قالوا اهل الديرة عنك؟
– اكيد انا مؤمن بالله سؤالك جداً غريب!
– بس وانا اخوك انت تتكلم كلام ما خبرته من احد كيف تقول ان اهل الديره موب على الحق.
– انا بوضح لك عشان نتقدم خطوه لازم نترك العادات والأفكار القديمة في اليوم الي راحوا يستسقون فيه رفضوا أي واحد عنده معصيه ظاهره  يروح تتوقع انت ان العاصي ما يعبد الله ولا قريب منه هذي معصية منتيهن منها ولكن هم اصروا على الفكرة، واتهامهم لي بالكتابة الفاجرة لبنت الكويتي بعد مانتهكوا عرض بيتي واخذو اغراضي .. وعساك سالم.
– كلامك غير صحيح وهم صادقين بالي قالوه العاصي يبقى عاصي!
– تعتقد انت انه فيه احد منزه عن المعصيه؟
– اكيد لا.. بس هم ابخص!
ابتسم بسام وتحدث
– بمجرد اهل الديرة يشورون الشور راح يكون صحيح ومع الوقت كل شي بيتغير وهذي المشكلة وبكذا انت صرت تعطيهم مجال يفكرون عنك ويقررون؛ انت تدري ان الديانة* (هم المقرضين للمال)الي بالديرة والطريقه الي يسونه تتوقع انه صح تدري ان انها ربا وازيدك من الشعر بيت تراها تحايل عليه!
– الأمير والكبير هو صاحب الراي الأول وحنا نمشي عليه هذا الي تعلمنا!
– اجل السفر وش اعطاك؟
– هذا شغلي ورزقتي واحدً رزقه بالمزرعة او واحد رزقه يحج بالناس او واحد يدرسهم الدين ويعلمهم اصوله وفيه الشيخ الي الأمارة مكتوبه باسمه من قبل يولد وهذي الدنيا، واذا تقول ان الديانة الي يسوونه تحايل فهذا عند الله!
– يعني الي سامحن فيه الشيخ تعده صح او امره لله طيب والشيبان الي يتزوجون البنات الصغار غصب هذا وش تسميه؟ واخذ حقوق الناس بالباطل؟ وانك تعمل كل شيء باسم الدين وتطبيقه؟
انتظر قليلا قبل ان يرد ولكنه لم يجد مايقول بإرتباك قال الرحال:
– أقول والله انك ابليس وزين الي سووه بك اهل الديره ولا وصلنا بالسلامة .. وهذا ان وصلنا ترا الوجه من الوجه ابيض وجهز دراهمك!
– بالسلامة ان شاء الله يارحال.
الرؤيا:

كان في الخامسة عشر من عمره فالحياة بجناحيها متهيبهً لتضمه اليها فتتكرر عليها رؤياه الغريبة فينطلق الى ابيه  يقصٌّ حلمه بعينين لامعتان:
اسير في طريق مظلم اشعر برعشة في اطراف اصابعي السماء ليس لها وجود او انها أصبحت بعيدة جداً او انني أصبحت اعمى ولا ادري.
وشيئاً فشيئاً كأنني أصبحت استعيد بصري فأرى بشيء من الضباب حتى انقشعت تلك الغيمة عن بصري فالنجوم أصبحت واضحة والسماء أصبحت قريبة وصوت أناس اعرفهم يصيحون باسمي والصوت يتردد وانا ابحث عن مكان هذا الصوت حتى رأيت لهيب نار من بعيد والناس حولها أصحاب الصوت الذي يصيحون باسمي فرحت راكضاً لهم حتى اقتربت منهم وبمجرد اقترابي اطفاؤ النار واقتربوا مني واكنهم وضعوا دائرةً علي.
واصبحوا يمشون بي حيث يريدون وانا لا استطيع ان أتكلم وبعد لحظات تفرقوا من امامي وتوقفوا لأننا قد وصلنا الى حفرة قد وضعوني امامها فنظرة الى الحفرة ثم التففت اليهم واذا بهم يدفعونني اليها ويشعلون النار في عصيهم وانا ارى الوجوه التي تحمل تلك العصي المشتعلة فراحوا يدفنوني بالتراب!
– خير ان شاء الله وانا ابوك .
– ان شاء الله.
اتكأ أبو بسام على الجدار وكانه يستريح قبل ان يتحدث او انه يمارس طريقته في التفكير في كلماته.
– وانا ابوك الحياة هذي كل واحد فيها بيعطيك تفسيرات لها ولكنها ماتحتاج تفسير، الحياة واضحة ولكنه تعمينا عن حقيقتها دايماً مثل اذا كنت تبحث عن المويه بمكان ولكن الأرض تعميك فتلقى الطين كل مره ولكنك ماتلقى الماء ؛ الحلم الي قلته قبل شوي لو قلت ان تفسيره انك بتصير رجل عظيم يحتذى به  والناس كله بتتكلم فيك بتصدقن؟
– اكيد بصدقك
– هذا تفسير لحلمك ولكن وانا ابوك هالشي يبي صبر والوصول يبي شغل يمكن تموت وبعد مايدفنونك تصير المثال الي قلت لك قبل شوي.. ممكن تعيش حياتك بطول وعرض وتمشي بين الناس الكل يتمنى يصير بمكانك ولكن بمجرد انك تكون بالتراب الكل ياكل بلحمك ولكنك تبي تصير العكس بعد مايدفنونك يتمنون يصيرون مثلك والناس كذا من طلعة الدنيا.
اخذ نفساً عميقاً قبل ان يكمل حديثه وبسام ينظر الى ابيه نظرة المنتبه الواعي لكل كلمة تقال.
– لو رجعت للتاريخ بتشوف  كثير من الي صار لهم شان بالدنيا بعد موتهم والقليل صار لهم شان وهم حيين واكلوهم بعد وفاتهم وفيه بعضهم وضع بصمته بالحياة بصمه بإخلاص فيها ايمان وايمان كبير فالله حفظهم من ان الناس تاكل بلحمهم بعد مايموتون فعليك بالصبر والعمل وانا ابوك وهذي الحياة!
تمت
.

 

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s